لبنان: حين يصمت السلام ويتكلم الركام
في مشهد يعكس تعقيدات الصراع الإقليمي، يبدو لبنان على حدود هدنة هشة، حيث الهدوء الظاهر ليس سوى استراحة مؤقتة بين جولات أكثر شراسة. فالهدنة هنا، كما يصفها المراقبون، تشبه استراحة بين الشوطين في مباراة كبرى، حيث يتبادل اللاعبون أنفاسهم دون أن يتخلوا عن نواياهم العميقة. على حدود لبنان، لم تكن لحظة الصمت سوى تمهيد لأصوات أعلى وأكثر قسوة، حيث عادت الضربات الإسرائيلية لتؤكد أن لا هدنة تُبنى على أرض رخوة، ولا سلام يُصاغ في ظل ميزان مختل.
تحول إيران: من الولاء العقائدي إلى شبكة المصالح
لبنان، تلك القطعة من السماء المعلقة بين الجغرافيا والسياسة، وجد نفسه مجدداً على خطوط تماس إقليمية، يتلقى الضربات دون تدخل مباشر من إيران كما اعتاد البعض أن يتوقع. هنا يتكشف التحول الأهم في سياسات إيران، حيث انتقلت من "محور عقائدي" إلى "شبكة مصالح". إيران اليوم لا تدير حلفاءها بمنطق الولاء الأيديولوجي، بل بمنطق الكلفة والعائد، وهو ما جعل الضربات الأخيرة تمرّ دون ردّ مباشر يعيد التوازن. في هذه اللحظة، يتضح الفارق بين ولاء الحزب لإيران، وبراغماتية إيران تجاه الحزب؛ فالأول التزام أيديولوجي، والثانية حساب بارد لا يعرف العاطفة.
هذا لا يعني أن إيران في موقع المتفرج، بل على العكس، هي تعيد توزيع أوراقها بصمت. إدراكها أن الحرب لم تنته، بل تنتظر "أشواطاً قادمة"، يدفعها إلى التفكير بتوسيع مسارح الضغط: من العراق إلى اليمن، ومن البحر إلى الممرات الحيوية. إنها لا تبحث عن مواجهة شاملة، بل عن رفع كلفة المواجهة على خصومها، عبر تشتيت الجغرافيا وإرهاق القرار. هذا النوع من التصعيد الموزع لا يهدف إلى الحسم، بل إلى منع الحسم، وهو أخطر ما في الاستراتيجيات الحديثة؛ لأنه يُبقي المنطقة في حالة اشتباك دائم بلا نهاية واضحة.
الداخل اللبناني: صراع بين صوت الدولة وضجيج السلاح
في الداخل اللبناني، يبرز تصريح الرئيس جوزف عون كصوت يحاول أن يستعيد منطق الدولة وسط ضجيج السلاح. قوله إن التفاوض ليس تنازلاً، وإن الديبلوماسية ليست استسلاماً، يعكس فهماً عميقاً لحقيقة أن الحروب لا تُدار بالشعارات وحدها. فالدولة التي تنزف لا تملك ترف المكابرة، والشعب الذي يُستنزف لا يحتمل مغامرات مفتوحة. هنا، تبدو الدعوة إلى التفاوض محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لا خضوعاً، بل ممارسة لسيادة من نوع آخر، سيادة العقل في وجه الانفعال.
غير أن هذه الدعوة تصطدم بواقع داخلي معقد، حيث يشعر جزء كبير من اللبنانيين أن قرار الحرب والسلم لم يعد بيد الدولة. ومع اتساع رقعة الدمار وسقوط الضحايا، يتزايد الإحساس بأن مكوناً أساسياً من المجتمع اللبناني قد زُج في معركة تتجاوز قدرته على الاحتمال. هذا لا يعني وحدة الموقف داخل هذا المكون، بل على العكس، هناك أصوات متعبة، صامتة، تبحث عن مخرج من دائرة النار، لكنها لا تجد إطاراً آمناً للتعبير. وهنا تكمن المعضلة: حين يغيب البديل، يصبح الصمت شكلاً من أشكال البقاء، لا القبول.
المأساة الإنسانية: كلفة بشرية تتجاوز الخطاب السياسي
أما على المستوى الإنساني، فالمشهد يتجاوز السياسة إلى المأساة. عائلات أُبيدت، منازل سُويت بالأرض، وبنى تحتية انهارت تحت وطأة القصف. الأرقام، مهما بلغت، تعجز عن نقل حجم الفقد، لكن حضورها ضروري لتذكير العالم أن ما يحدث ليس مجرد "رسائل عسكرية"، بل كلفة بشرية تدفع يومياً. في هذه اللحظات، يفقد الخطاب السياسي برودته، ويصبح السؤال أكثر قسوة: كم من الألم يحتاج العالم ليعترف أن هذا المسار لا يقود إلا إلى مزيد من الخراب؟
مفترق حقيقي: بين أن يكون لبنان ساحة أو دولة
يبقى أن لبنان اليوم أمام مفترق حقيقي، لا بين الحرب والسلام، بل بين أن يكون ساحة أو أن يستعيد دوره كدولة. المبادرات السياسية، والدعوات إلى الحياد، ومحاولات إعادة تعريف العقد الوطني، كلها إشارات إلى رغبة كامنة في الخروج من هذا النفق. لكن هذه الرغبة وحدها لا تكفي، ما لم تُترجم إلى مشروع سياسي قادر على الصمود. فالتاريخ لا يرحم الدول التي تتأخر عن لحظتها، ولا يغفر للشعوب التي تُسلم مصيرها للآخرين.
في النهاية، ما يجري في لبنان ليس مجرد فصل من صراع إقليمي، بل اختبار قاس لفكرة الدولة نفسها. وبين هدنة تشبه الاستراحة، وحرب تلوح في الأفق، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يملك لبنان القدرة على كتابة شوطه القادم بيده، أم سيظل ملعباً تُحسم عليه مباريات الآخرين؟ ذلك هو السؤال الذي سيحدد إن كان هذا الألم بداية النهاية… أم نهاية البدايات.



