إيران اليوم في حاجة ماسة لروح رفسنجاني: رجل التحالفات الذي أوقف الحرب وأعاد البناء
في ظل التحديات الإقليمية والداخلية التي تواجهها إيران، يبرز اسم هاشمي رفسنجاني، الرئيس الإيراني السابق الذي يلقبه أنصاره بـ"الشيخ الرئيس"، كشخصية تاريخية تحتاجها طهران بشدة في الوقت الراهن. لم يكن رفسنجاني طارئاً على المشهد السياسي، بل جاء من صميم القيادات الدينية والشعبية التي ناصرت الخميني وشاركت في معارضة نظام الشاه الراحل محمد رضا بهلوي، مما عرضه للسجن والملاحقة الأمنية قبل عودة الخميني من فرنسا عام 1979.
الفقيه السياسي ورجل التحالفات البراغماتي
يُعرف رفسنجاني بين خصومه بـ"الثعلب" نظراً لدهائه السياسي، وكان الوحيد الذي استطاع إقناع الخميني بقبول قرار مجلس الأمن رقم "598"، الذي مهّد لوقف الحرب العراقية الإيرانية. قال الخميني آنذاك إن قبول القرار كان كمن "يتجرع كأس السم"، مما يبرز الدور الحاسم لرفسنجاني في إنهاء نزاع استنزف مقدرات طهران وبغداد وأضر بالأمن الإقليمي في الخليج العربي.
امتلك رفسنجاني مشروعية ثورية وخبرة سياسية فريدة، مكنته من البقاء ضمن دائرة صنع القرار الأساسية طوال حياة الخميني. بعد رحيل الخميني عام 1989، لعب دوراً محورياً في اختيار المرشد الثاني علي خامنئي، حيث أقنع أعضاء "مجلس الخبراء" باختياره كقائد فرد بدلاً من مجلس قيادة.
إعادة الإعمار والانفتاح على العالم
بعد توقف الحرب، تولى رفسنجاني رئاسة الجمهورية ونشط في عملية إعادة الإعمار وتحسين الاقتصاد المنهك. عمل على الانفتاح التدريجي على دول الجوار والعالم الخارجي، مستعيناً بمجموعة من التكنوقراط في حزب "كوادر البناء"، الذي يعكس توجهاته الطموحة لمرحلة البناء والتغيير.
- واجه رفسنجاني عقبات داخلية وخارجية كثيرة، لكنه استطاع تأسيس مرحلة تغيير داخلي تلبي تطلعات الطبقة الوسطى المتعلمة.
- رفع مستوى الدخل وحد من تأثير التيارات المتشددة في الحياة اليومية للإيرانيين.
- مهّدت سياساته لقدوم الرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، وفتحت المجال لتحسين العلاقات مع دول الخليج العربي.
التحديات والصراعات الداخلية
دفع رفسنجاني ثمناً باهظاً لمنهجه السياسي، حيث اعتبره المتشددون "خيانة" لمبادئ الثورة. وُجهت تهم عدة إلى عائلته، وسُجنت ابنته فائزة وأعضاء من حزبه، بينهم رئيس بلدية طهران السابق غلام حسين كرباتشي. كما وجه الرئيس السابق أحمدي نجاد اتهامات لرفسنجاني، واستبعده "مجلس صيانة الدستور" من الانتخابات الرئاسية بقرارات مجحفة.
في آخر عام من حياته، عاش رفسنجاني في حصار إعلامي وسياسي من التيار المتشدد، ولم يدافع عنه رفيق دربه خامنئي من حملات التشويه. ومع ذلك، بقي متمسكاً برؤيته لإيران منفتحة على جوارها الإقليمي، كما أشار في إحدى المرات إلى أن بعض القرارات الحساسة تقع على عاتق مكتب خامنئي مباشرة.
صفات تحتاجها إيران اليوم
تتمثل أهمية رفسنجاني في صفاته التي تفتقر إليها إيران حالياً:
- صلابة وعقل سياسي مرن.
- حرص على بقاء الدولة ومؤسساتها.
- نظرة واقعية للخروج من مرحلة الشعارات الثورية إلى مرحلة البناء.
- إدراك أن إيران لا يمكنها العزلة عن جوارها الإقليمي.
قد يكون هناك اليوم من يشبه رفسنجاني في بعض الجوانب، لكن لا أحد يمتلك كل صفاته، خاصة شجاعته وقدرته على الإقناع. تحتاج إيران إلى شخصية تستطيع أن تسمع المرشد الثالث مجتبى خامنئي ما يجب قوله، لوقف الاعتداءات على دول الجوار الخليجي ومنع انهيار المنطقة في فوضى تضر بالجميع، وإيران أول المتضررين.



