سجادة الجمر الإيراني: حلم طرد أميركا من الشرق الأوسط يتصادم مع الواقع العسكري
في سنوات مضت، كان الجنرال قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الإيراني، صريحاً وقاطعاً في حديثه. قال لزائره إن «لا خيار أمام القوات الأميركية غير مغادرة العراق». أضاف أن أرض بغداد تشتعل تحت أقدام الأميركيين كأنها سجادة من نار، وأن انسحابهم سيلحق الضرر بصورتهم وهيبتهم. كان سليماني يترجم حلم المرشد علي خامنئي وحلم المرشد المؤسس الخميني بطرد أميركا من الشرق الأوسط، كخطوة نحو عزل إسرائيل وتحجيمها، وصولاً إلى استئصالها.
سوء التفاهم العميق بين الشرق الأوسط وأميركا
في تلك الأيام، سمعت في بغداد من السياسي أحمد الجلبي كلاماً يستحق الإشارة. قال إن «بين معظم أهل الشرق الأوسط وأميركا سوء تفاهم عميقاً». هي لا تفهم حساسيات مجتمعاتهم، وهم لا يجيدون التعاون مع قوة هائلة مختلفة الثقافة. ينظر أهل المنطقة إلى أميركا وكأنها مجرد أساطيل، لكن قوتها ليست هناك فقط، بل هي في الجامعات والأبحاث والثروات والتكنولوجيا. مصير أميركا ليس متوقفاً على نفط العراق وإيران، والعلاقات الراسخة معها فرصة تقدم، كما في اليابان وكوريا الجنوبية.
استوقفني في كلامه قوله: «في إيران حلقة مهمة تضم عناصر تبالغ في كراهية أميركا وتعتبر الصدام معها حتمياً». إذا انتصرت وجهة نظر هذه الحلقة، سترتكب طهران خطأ فادحاً، لأن أميركا قادرة على عزل إيران وحتى إلحاق دمار واسع بها دون أن يرى الجندي الإيراني جندياً أميركياً.
من مفاعل الجمر إلى سجادة النار
تذكرت قصة سجادة النار وأنا أتابع كتل النار التي تلقيها الطائرات الأميركية والإسرائيلية على أهداف في إيران، وكتل النار التي تلقيها الأخيرة على أهداف غير عسكرية في دول مجلس التعاون الخليجي والأردن. هل اختارت أميركا الذهاب إلى الحرب رداً على توسيع سياسة سجادة النار الإيرانية إلى حد الإمساك بعواصم وخرائط وممرات؟
هل نبالغ إذا قلنا إن العالم العربي يعيش منذ 1979 على انبعاثات مفاعل الجمر الإيراني؟ أصاب التغيير الذي شهدته طهران في ذلك التاريخ دولة إقليمية كبرى لم تخف تطلعها إلى دور كبير في المنطقة. ولدت ثورة الخميني في موقع حساس قرب الآبار والمنابع والمضايق، وحملت منذ لحظاتها الأولى مشروعاً صريحاً لـ«نصرة المستضعفين» و«تصدير الثورة»، وثبتت هذا الحلم في دستورها.
التوسع الإيراني عبر العقود
طرد أميركا من الشرق الأوسط حلم راود الخميني باكراً. خلال إقامته في النجف، كان رجلاً صعب الاحتواء، وتزايدت الصعوبة بعد توقيع العراق على اتفاق الجزائر في 1975. بدأت الرياح الساخنة حين نقل مسؤول عراقي إلى صدام حسين أن برنامج الخميني إسقاط الشاه أولاً، ثم التوجه لإسقاط نظام البعث في العراق. خشي صدام من محاربة إيران في شوارع بغداد، فذهب إلى الحرب متكئاً على رهانات خاطئة.
ساد الاعتقاد أن الحرب العراقية - الإيرانية منعت تدفق الجمر الإيراني، لكن إيران اغتنمت فرصة الغزو الإسرائيلي للبنان في 1982، ورعت ولادة حزب الله، واعتبرت ذلك تنفيذاً ناجحاً لأول عملية لتصدير الثورة. لعبت سجادة النار دورها في لبنان من تفجير مقر المارينز إلى خطف الرهائن الغربيين، وبات جنوب لبنان جبهة إيرانية - إسرائيلية.
التمدد في خرائط جديدة
أفادت إيران كثيراً من تهور صدام حسين حين اجتاحت قواته الكويت، وانشغلت المنطقة بالخطر العراقي. في 2003، تلقت إيران هدية كبرى بإسقاط نظام صدام على يد الجيش الأميركي، فتمددت سجادة النار في الداخل العراقي. استنتجت القيادة الإيرانية أن عليها إبعاد الحرب عن أرضها وإنشاء جدران حماية داخل الملاعب العربية، وهكذا راح سليماني يخطط لتطويق المنطقة بجيوش صغيرة متحركة.
جاءت فرصة ظهور داعش والربيع العربي، فاهتزت خرائط، بينها الخريطة اليمنية التي شملها تدفق الجمر الإيراني وولادة اللاعب الحوثي. تولت الميليشيات توسيع سجادة الجمر الإيراني ونقلها إلى خرائط جديدة، واختلط تخصيب اليورانيوم بتخصيب مدى الصواريخ وترسانات الأذرع.
المعركة الحاسمة في الشرق الأوسط
قرر ترمب إعادة الجمر الإيراني ليكوي الخريطة التي انطلق منها. والسؤال هو هل ستؤدي هذه الحرب إلى تبريد الجمر الإيراني أم ستعمق قناعة المرشد الجريح للبلد الجريح أن بقاء الثورة حية مرهون بالقدرة على إنتاج الجمر وتوزيعه؟ يذكّر ترمب إيران بأن الوقت ينفد، وأن الجحيم يقترب حاملاً مطراً غزيراً من الجمر الحارق. معركة حاسمة في الشرق الأوسط الرهيب، حيث تتقاطع الأحلام القديمة مع حقائق القوة العسكرية الحديثة.



