الفصل الأخير للحرب: تطورات خطيرة في إيران ولبنان تهدد استقرار المنطقة
تطورات خطيرة في إيران ولبنان تهدد استقرار المنطقة

الفصل الأخير للحرب: تطورات خطيرة في إيران ولبنان تهدد استقرار المنطقة

في أحد أخطر الحروب دماراً وتكلفة للبشرية، برز حدثان حاسمان في الأيام الأخيرة، أحدهما في الداخل الإيراني والآخر في لبنان، الذي يتعرض لعدوان مزدوج إسرائيلي - إيراني. هذه التطورات تعكس تصاعداً ملحوظاً في التوترات الإقليمية، مع تداعيات عميقة على مستقبل المنطقة.

الحدث الأول: المواجهة الإيرانية الأمريكية

تمثل الحدث الأول في إسقاط طهران للمقاتلة الأمريكية "إف 15"، وهو أمر لافت لكنه لا يغير واقع ميزان القوى بشكل جذري. بدلاً من ذلك، يوجه هذا العمل رسالة واضحة بأن إيران لم تصبح بعد ساحة مستباحة بالكامل، مما يعني أن الحسم السريع في الصراع غير متوفر في الوقت الحالي.

مع ذلك، فإن الجانب الأكثر أهمية تمثل في الدور الذي قامت به القوات الأمريكية في عمق الأراضي الإيرانية، حيث أمضت نحو 40 ساعة في عملية إنقاذ ناجحة لطاقم الطائرة المقاتلة. حدث هذا وسط غياب مطلق للقوى العسكرية الإيرانية، مما يبرز مدى الوهن الذي يعاني منه النظام العسكري هناك.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

دلالات عميقة ومخاطر متبقية

عميقة هي دلالات هذا التطور، لكنها لا تقلل من المتبقي من قدرات عسكرية لدى نظام الملالي. يتبع هذا النظام سياسة ترشيد القصف الصاروخي لإطالة أمد الحرب، فيما يستخدم مضيق هرمز كأهم ورقة ابتزاز هائلة منهكة لاقتصادات العالم. هذا الاستراتيجية تزيد من تعقيد المشهد وتوسع نطاق التأثيرات العالمية.

الحدث الثاني: التصعيد في لبنان

تمثل الحدث الثاني بإعلان "حزب الله" عدم "التمسك بالأرض" تحت وطأة التوغلات الإسرائيلية. كشفت تل أبيب أن الصواريخ تطلق من شمال نهر الليطاني، وقد تصل العمليات العسكرية إلى نهر الأولي، مما يعني شمولها لكل الجنوب اللبناني. هذا التوسع في الاحتلال يؤدي إلى تقطيع أوصال المناطق وقطع البقاع عن الجنوب، والتحكم بها بالنار، مما يفاقم من الأهوال التي تضرب لبنان.

مطلوب من المجتمع اللبناني تحمل تكلفة هذه التطورات، ومن الدولة احتواء تداعياتها الديموغرافية الخطيرة. سبق أن تبلغت بيروت تحذيرات أوروبية بغياب أي معطيات عن المدى الزمني لهذه الحرب، أو المدى الذي ستبلغه على الأرض.

إشارات خطيرة وتذكير بالماضي

لإدراك خطورة الموقف، من المفيد التذكير بأنه خلال كارثة حرب "إسناد" غزة، نبّهت باريس بيروت من أن العدو الإسرائيلي يعيد قراءة خطط شارون خلال غزو 1982. تلك الخطط التي قيل إن هدفها كان الليطاني ثم الأولي، وصلت في النهاية إلى بيروت، بهدف إخراج منظمة التحرير من لبنان.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

مشروع "وحدة الساحات" وتداعياته

خطير ما ينتظر لبنان، فنظام الملالي بإحيائه مشروع "وحدة الساحات" انطلاقاً من لبنان، للدفاع عن نظامه، يقابل احتلال إسرائيل للأرض بتجديد استئثاره بقرار لبنان المنهوب والموجوع. تتزايد إشارات استحداث جيش الاحتلال لـ"خطٍ أصفر" في عمق الجنوب، مماثل لغزة، يعتمد السيطرة على المرتفعات لفرض إشرافٍ ناري يمكنه من التحكم بالأرض، ويمنع عودة النازحين.

وفق تهديد وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، قد تطول فترة عدم العودة إلى 600 ألف مهجر، مما يعني أن الأمر لا يقتصر على جنوب الليطاني، وقد بات شبيهاً بخان يونس مع تدمير عمرانه. يبرز هنا الهدف الأبعد بفرض إعادة تشكيل الخريطة السكانية، بما تحمله من أخطار ديموغرافية جسيمة.

انهيار المشروع الإمبراطوري الإيراني

تشي كل الوقائع بتعذر الهروب إلى الأمام على النظام الإيراني، بعد التطورات الهائلة في المنطقة، على خلفية نكبة "طوفان الأقصى" وكسر حزام الميليشيات. لقد بات المشروع الإمبراطوري الإيراني على طريق السقوط، بدليل المخاوف التي ذهب إليها الوزير السابق محمد جواد ظريف، في نصٍ حمل النُصح للقيادة الإيرانية بإنهاء الحرب، تفادياً لخسائر أكبر.

أكد ظريف على أهمية استثمار فرصة إنهاء 4 عقود ونيف من العداء مع أميركا. إنه طرح بات على الطاولة، وهو يقول عملياً بإنهاء المشروع النووي، وحصر مدى البرنامج الصاروخي بالدفاع، والتوقف عن تقديم السلاح والمال والخبرات لأذرع "الحرس الثوري". هذا يعني طي صفحة تصدير الثورة وإنهاء النفوذ الخارجي والانكفاء إلى الداخل، تلبية للشروط الأمريكية، بعد استحالة العودة بالمنطقة إلى ما قبل كارثة "الطوفان".

دور حزب الله والمسؤولية المشتركة

وسط تطورات تتسارع، وتدمير مخيف لعمران لبنان، وتصحير جنوبه وتعريض مناطق واسعة منه لاقتلاع جماعي، يتأكد انتفاء كل سمة لبنانية لـ"حزب الله". لقد انصاع هذا التنظيم العسكري لقرار طهران، بأخذ البلد إلى الموت ثأراً للخامنئي. إنه تنظيم لم يحمل يوماً أي مشروع لبناني، ولم يضع بالاعتبار في أي وقت مصالح لبنان واللبنانيين.

يتأكد أن قراره وقيادته هما لدى "الحرس الثوري"، وعقيدته من البداية ولتاريخه هي "إيران في لبنان" وفق توصيف إبراهيم أمين السيد، أحد قادته. وكوكيل لنظام الملالي، هو شريك لإسرائيل في المسؤولية عن تحويل الجنوب وبلدات بقاعية والضاحية الجنوبية لبيروت، وكره الرئيسي، إلى ركام.

التحديات أمام السلطة اللبنانية

ولأن المنطقة دخلت الفصل الأخير ما بعد "الطوفان"، فالسلطة اللبنانية أمام تحدي محاصرة الحالة الانتحارية. وأمام مسؤولية القيام بإدارة الدولة، بالمضي بتنفيذ قرارات أغسطس (آب) 2025 ومارس (آذار) 2026، بنزع السلاح وحظر النشاط العسكري والأمني لـ"حزب الله" وإخراج المستشارين الإيرانيين.

لا خيار آخر سوى مغادرة الاكتفاء بإدارة الانهيار، إلى إدارة البلد، مع ما يقتضيه ذلك من ردم الهوة بين مرجعية القرار التي أناطها الدستور حصراً بمجلس الوزراء من جهة، ومن الجهة الأخرى دور قوى التنفيذ وآليات ذلك. إن السلطة التنفيذية كجهة وحيدة تمتلك الشرعية مطالبة بخطوات تثبت مرجعية الدولة، أبرزها جعل بيروت آمنة منزوعة السلاح، كمقدمة لكل لبنان.

إنه المنحى الإلزامي لترميم الثقة التي تداعت، وحفظ دور البلد ومكانته واستقلاليته، ليتخلى المواطن عن التمسك ببدائل كارثية من انكفاء طائفي، إلى التصاق بزعيم هو بالنهاية من رموز نظام المحاصصة الزبائني. المستقبل يتطلب قرارات جريئة وفورية لإنقاذ ما تبقى من استقرار في المنطقة.