العراق في قلب العاصفة: سياسة التوازن الدقيق للسوداني بين واشنطن وطهران
في مشهد إقليمي معقد ومفتوح على احتمالات متعددة، يبرز العراق كدولة تحاول الحفاظ على توازن دقيق بين علاقاته الدولية وتحدياته الداخلية، بعيدًا عن الاصطفافات الحادة أو القراءات المبسطة. لا يخلو تحليل في صحيفة عربية أو أجنبية من الحديث عن أن العراق يقف في مفترق طرق بسبب علاقته مع طرفي الحرب الدائرة الآن في المنطقة، وهما الولايات المتحدة وإيران، هذا لو استبعدنا إسرائيل، ولو في هذه الفقرة الافتتاحية.
تحليل أعمق للعلاقات العراقية مع الولايات المتحدة
لكن هذه السطور تسعى للتطرق إلى ما هو أعمق من ذلك، فإمعان النظر في طبيعة العلاقات العراقية مع الولايات المتحدة في هذه المرحلة يكشف عن مشهد أكثر تعقيدًا مما يُختزل في قراءات سريعة أو أحكام نهائية. ففي لحظة إقليمية مشحونة بالتوترات والتقاطعات الحادة بين المصالح الدولية، يبدو المشهد العراقي محكومًا بتوازنات دقيقة، حيث لا يمكن تقييم أداء رئيس الوزراء محمد شياع السوداني من زاوية واحدة، أو اعتباره خاسرًا في معادلة النفوذ، دون فهم السياق الأوسع الذي تتحرك فيه بغداد.
الواقع يشير إلى أن السوداني لا يخوض معركة "ضربة قاضية"، بل يدير جولات طويلة بالنقاط، حيث تُحسب المكاسب بالتراكم لا بالاستعراض، وبالقدرة على البقاء في منتصف العاصفة، لا بالانحياز الكامل لأي طرف. وهي إدارة ينبغي وصفها بأنها صبورة لصراع معقد، لا يحتمل المغامرات غير المحسوبة.
النسيج الداخلي العراقي وتأثيره على القرارات الاستراتيجية
فالعراق اليوم ليس ساحة فارغة يمكن إعادة تشكيلها وفق رغبات خارجية، بل هو دولة ذات نسيج داخلي متداخل، يتشابك فيه السياسي مع الاجتماعي والعقائدي. هذه التركيبة تجعل أي قرار استراتيجي محكومًا باعتبارات دقيقة، لا يمكن تجاوزها بسهولة أو القفز فوقها. ومن هذا المنطلق، يصبح من الصعب، بل من غير الواقعي، أن يقف العراق – دولةً أو فصائل أو حتى رأيًا عامًا – في حرب تُفهم على أنها تخدم مصالح إسرائيل، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. فالمعادلة هنا لا تتعلق فقط بالسياسة، بل تمتد إلى المزاج الشعبي والرمزية التاريخية.
التباينات الدولية وفرص المرونة للعراق
وحتى على المستوى الدولي، فإن المشهد أبعد ما يكون عن الإجماع أو التوحد. فليست كل الدول الغربية على موقف واحد من التصعيد في المنطقة، بل إن هناك تباينات واضحة في الرؤى والمقاربات، خصوصًا داخل أوروبا. وبعض الدول الأوروبية تتبنى مواقف أكثر حذرًا، بل وترفض الانخراط في مسارات تصعيدية قد تؤدي إلى انفجار أوسع. هذا التباين يفتح نافذة أمام العراق لاتباع سياسة أكثر مرونة، تقوم على التهدئة بدل الاصطفاف الحاد.
وفي هذا السياق، يصبح الحفاظ على قنوات الاتصال مع جميع الأطراف، بما فيها الولايات المتحدة، خيارًا استراتيجيًا لا يمكن التفريط به. فالعلاقات الدولية لا تُدار بمنطق القطيعة، بل بمنطق المصالح المتبادلة وإدارة الخلاف.
استمرار التواصل بين بغداد وواشنطن
والأهم من ذلك، أن الوقائع الميدانية والسياسية لا تدعم فرضية القطيعة أو التراجع في العلاقات بين بغداد وواشنطن. بل على العكس، تشير المؤشرات إلى استمرار التواصل والتنسيق في مستويات متعددة. فقد أكدت السفارة الأميركية أن الولايات المتحدة والعراق "سيكثفان التعاون" لمنع الهجمات وضمان عدم استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات ضد المصالح الأميركية، وهو تصريح يعكس رغبة واضحة في الاستمرار بالشراكة.
كما أن الإعلان عن إنشاء "لجنة تنسيق مشتركة عليا" للإشراف على هذه الجهود يعبّر عن مستوى متقدم من التعاون المؤسسي، لا يمكن التقليل من أهميته في هذا التوقيت الحساس. هذه الخطوات لا تشير إلى تراجع في العلاقة، بل إلى إعادة تنظيمها بما يتناسب مع التحديات الراهنة. وهو ما يعزز فكرة أن العلاقة تمر بمرحلة تكيف، لا قطيعة.
إدارة السوداني للتوازنات المعقدة
في هذا الإطار، لا يبدو السوداني معزولًا أو فاقدًا للثقة، بل يحاول إدارة توازن معقد بين ضغوط داخلية وتوقعات خارجية. إنه يتحرك ضمن هامش ضيق، لكنه يستثمره بقدر من الحذر والبراغماتية. قد لا تكون خطواته صاخبة أو مثيرة، لكنها محسوبة بدقة، وتستهدف الحفاظ على استقرار هش في بيئة قابلة للاشتعال في أي لحظة.
إن قراءة المشهد من زاوية "القبول أو الرفض" تبقى تبسيطًا مخلًا، لأن السياسة في مثل هذه البيئات لا تُدار بمنطق الأبيض والأسود، بل هي عملية شدّ حبال مستمرة، تتطلب صبرًا وقدرة على التكيف. ومن هذا المنظور، يمكن القول إن السوداني لا يخسر المعركة، بل يتقدم فيها بهدوء، نقطةً بعد نقطة، محاولًا تثبيت موقع العراق كدولة قادرة على تجنب الانهيار أو حتى الانجرار.
الخلاصة: شكل متقدم من أشكال الانتصار
وفي المحصلة، فإن ما يُحسب له ليس قدرته على إرضاء جميع الأطراف، فذلك مستحيل، بل قدرته على منع الانزلاق إلى سيناريوهات كارثية، مع الإبقاء على خطوط التواصل مفتوحة. وهذه، في عالم اليوم، ليست هزيمة… بل شكل متقدم من أشكال الانتصار.



