سطوة المواقف الرمادية: العراق ولبنان في قبضة النفوذ الإيراني
تُبقي سطوة المواقف الرمادية في العراق ولبنان البلدين في قبضة النفوذ الإيراني، مما يدفعهما بعيداً عن منطق الدولة والسيادة الواضحة. في لبنان، كما في العراق، تحشر هذه المواقف كلا البلدين في زاوية الدولة المصطنعة، خاصة في المحطات التاريخية المفصلية التي تشهد تحولات جيوسياسية عميقة.
مؤسسات سيادية مقيدة بأغلال المحور الإيراني
ثمة قائل إن مؤسسات سيادية في كلا البلدين مقيدة بأغلال المحور الإيراني بشكل أو بآخر، وهذا صحيح. وثمة قائل أيضاً إن أمراء الأحزاب في لبنان كما أمراء الفصائل في العراق اعتادوا رغد النفوذ السياسي وبحبوحة الوصاية الخارجية، فكانوا إن وقفوا، ولا يزالون، في خندق مواجهة قيام الدولة الحقيقية.
في بيروت، يتشح موقف الرئاسة الثانية، البرلمان، برمادية الموقف لجهة حصر السلاح وقرار الحرب بيد الدولة. هذا الموقف الرمادي يخلق حالة من الغموض السياسي الذي يعيق تقدم لبنان نحو الاستقرار الدائم.
العراق: تجاوز الرمادية نحو الانخراط في الصراعات الإقليمية
وفي بغداد، تجاوزت السلطة التنفيذية مرحلة الرمادية مع منح رئيس الحكومة محمد شياع السوداني الحشد الشعبي والفصائل إجازة الانضواء في الحرب مع إيران التي تواصل اعتداءاتها على دول الخليج العربية. هذا في عهد السوداني، والسؤال هنا: أي عراق كنا ننتظر فيما لو وصل نوري المالكي إلى سدة رئاسة الحكومة؟!
واضحاً وحازماً كان البيان المشترك للسعودية والكويت والبحرين والإمارات وقطر ومعهما الأردن لجهة تحذير العراق من الغوص في مستنقع التناقضات بقوله: "وإذ تثمن الدول المنضمة إلى البيان علاقتها الأخوية مع جمهورية العراق، فإنها تدعو الحكومة العراقية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لوقف الهجمات التي تشنها الفصائل والميليشيات والمجموعات المسلحة من أراضي جمهورية العراق نحو دول جواره بشكل فوري، وذلك حفاظاً على العلاقات الأخوية وتجنباً لمزيد من التصعيد". وأكدت الدول الست "حقها الكامل والأصيل في الدفاع عن النفس إزاء هذه الهجمات الإجرامية".
مصالح الشعوب وأجندات المحاور العابرة
صحيح أن الوفاء عملة نادرة في ظل نظام عالمي جديد يتشكل وفق معطيات تفتقد لأبسط معايير القيم. لكن الصحيح أيضاً أن مصالح الدول وازدهارها يقومان على ديمومة مصالح الشعوب، وما يجمع العراق بأشقائه الخليجيين يفترض أن يكون أعمق من أجندات محاور عابرة.
لماذا يجنح العراق في هذا التوقيت بالذات؟ ولمصلحة من نقل بلاد الرافدين من ساحة التلاقي الدولي إلى ميادين الاقتتال الإقليمي؟ ماذا في خفايا الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية؟ جعبة المستقبل القريب قد تحمل إجابات صادمة؟!
المواقف الرمادية في العراق ولبنان ليست مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هي استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إبقاء هذين البلدين في حالة من التبعية والضعف، مما يخدم أجندات خارجية على حساب السيادة الوطنية ومصالح الشعوب. التحدي الأكبر يكمن في قدرة المؤسسات الوطنية على التحرر من هذه الأغلال واستعادة زمام المبادرة لبناء دول قوية ومستقلة.



