حرب السودان: سياسة شد الأطراف وتدخلات خارجية لإطالة أمد الصراع
حرب السودان: سياسة شد الأطراف وتدخلات خارجية

حرب السودان: سياسة شد الأطراف وتدخلات خارجية لإطالة أمد الصراع

في كل مرة يحقق فيها الجيش السوداني انتصارات عسكرية تضع نهاية الحرب في دائرة الاحتمال، تُفتح ضده جبهة جديدة تهدف إلى توسيع نطاق الصراع وإطالة أمده. هذه الديناميكية المتكررة تعكس استراتيجية مدروسة لـشد الأطراف، حيث تتدخل قوى خارجية لخلق تحديات متعددة على الحدود، مما يصرف انتباه الجيش ويعطل خططه الهجومية.

جبهات جديدة وإمدادات سلاح عبر الحدود

منذ بداية الحرب، تدفقت إمدادات السلاح من الخارج عبر حدود دول الجوار، كما انضم مجندون من عرب الشتات ومرتزقة إلى صفوف قوات الدعم السريع. تحولت بعض المناطق الحدودية إلى مراكز أساسية لدعم هذه القوات، وتزويدها بالسلاح والمستلزمات الحربية. وعندما تم تحييد بعض الدول المجاورة، مثل تشاد، بسبب ضغوط داخلية أو خارجية، تم فتح جبهات جديدة على الحدود مع إثيوبيا وجنوب السودان.

لم يكن التصعيد الأخير في ولاية النيل الأزرق مفاجئاً؛ فقد رُصدت تحركات من جنوب السودان، مع ارتفاع ملحوظ في أعداد المرتزقة الجنوبيين المنضمين إلى قوات الدعم السريع. كما تحولت مناطق في الجنوب إلى مراكز لعلاج مصابي هذه القوات. ولم يمض وقت طويل حتى ظهرت تقارير إعلامية موثقة تؤكد إقامة معسكر كبير داخل إثيوبيا لتدريب وإسناد قوات الدعم السريع.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

نشرت صحيفة لوموند الفرنسية تحقيقاً استقصائياً كشف عن 36 رحلة جوية خلال أربعة أشهر، من نهاية العام الماضي وبداية العام الحالي، لنقل السلاح عبر الأراضي الإثيوبية. وجه الجيش السوداني تحذيرات علنية لإثيوبيا، التي نفت أي تدخل في الحرب، لكن المعارك في مدينة الكرمك بإقليم النيل الأزرق، والهجمات بالمسيرات على مدن سودانية قريبة من الحدود الإثيوبية، أكدت سعي أطراف خارجية لفتح جبهات جديدة.

مخطط أوسع وتدخلات تاريخية

سياسة شد الأطراف ليست وليدة اللحظة، بل بدأت مع اندلاع الحرب وازدادت حدتها تدريجياً. هناك مؤشرات مبكرة تشير إلى أن هذه الحرب جزء من مخطط أوسع وأقدم يستهدف السودان. في عام 1996، أصدر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كتاباً بعنوان محاربة الإرهاب، عرض فيه رؤيته الأمنية، وذكر السودان ضمن الدول التي تستهدفها إسرائيل.

في عام 2008، أشار آفي ديختر، وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي الأسبق، في محاضرة إلى أن إسرائيل رأت منذ خمسينات القرن الماضي أن السودان، بموارده ومساحته الشاسعة، يمكن أن يصبح دولة قوية في الإقليم، مما استدعى التدخل المبكر لإضعافه. شمل هذا التدخل حرب جنوب السودان حتى انفصاله، ثم دارفور، في محاولة لدفعها نحو الانفصال أيضاً.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

تحول الصراع إلى حلقة في صراع إقليمي

ما يواجهه الجيش السوداني اليوم يتجاوز قدرات قوات الدعم السريع، التي تتلقى إمدادات هائلة وأسلحة متطورة، مدعومة بتدخلات خارجية عملت على تطويق السودان عبر استعداء جواره. تستخدم الدول المحيطة كمنافذ لإمدادات السلاح، وأحياناً كنقاط انطلاق لهجمات بالطائرات المسيرة.

في هذا السياق، لم تعد الحرب مجرد صراع داخلي، بل أصبحت حلقة ضمن صراع إقليمي أوسع، حيث تُستخدم الميليشيات كأدوات لتجنب التورط المباشر والتعقيدات الناجمة عنه. رغم ذلك، يفضل كثيرون تجاهل الأبعاد الاستراتيجية، ويتمسكون بسرديات تبسيطية مثل حرب الجنرالين أو حرب الكيزان، رافضين رؤية طبيعة الصراع الأعمق.

هذه الحرب الوجودية تستهدف السودان في ذاته، وكجزء من مخطط مستمر لزعزعة استقرار المنطقة. سياسة شد الأطراف تهدف إلى إرباك الجيش السوداني وعرقلة خططه، وتخفيف الضغط عن قوات الدعم السريع المتراجعة في جبهات غرب السودان، خاصة في إقليم كردفان. تحقيق لوموند أشار إلى تفعيل ممرات إمداد بديلة عبر أفريقيا الوسطى وإثيوبيا، مع تسع رحلات جوية رُصدت الشهر الماضي لنقل السلاح والعتاد.

باختصار، حرب السودان تحولت إلى معركة معقدة تشمل تدخلات خارجية متعددة، مما يجعل إنهاؤها أكثر صعوبة، ويؤكد أن الصراع تجاوز الحدود المحلية ليصبح جزءاً من لعبة إقليمية كبيرة.