سياسة إيران التصعيدية وتصدير الأزمات: فشل استراتيجي في مواجهة العزلة الدولية
تستند الإستراتيجية الراسخة في نظام ولاية الفقيه الإيراني وحكم الملالي إلى سياسة تصدير الأزمات والتدخل في شؤون الدول، ظاهريًا للدفاع عن أيديولوجيتها، بينما هي في الواقع وسيلة لتصدير أزماتها الداخلية إلى الخارج. هذه السياسة تتضمن تكتيكات تصعيدية تستخدم أسلوب «حافة الهاوية»، حيث يتم تحويل الاختلافات إلى خلافات ثم توترات ثم صراعات، دون الوقوع في مواجهة مباشرة. عندما يصل التصعيد إلى نقطة تهدد النظام بشكل خطير، يتم تخفيف حدّة الموقف عبر التراجع أو تقديم تنازلات طفيفة أو دعوة أطراف خارجية للوساطة.
فشل التكتيكات التصعيدية في الصراع الحالي
يبدو أن تكتيكات التصعيد المقيَّدة بحدود معينة تفشل في الصراع الحالي مع الولايات المتحدة وإسرائيل. رغم أن إيران نجت مرارًا من عواقب مغامراتها المتهورة في الماضي، إلا أن الوضع الآن يبدو مختلفًا تمامًا. هذه المرة، لن تسلم الجرة من العواقب، حيث تواجه النظام تحديات وجودية تهدد استقراره. سياسة التصعيد وتصدير الأزمات كانت سلوكًا ثابتًا للنظام الإيراني على مدار ما يقارب من نصف قرن، منذ بدايته عام 1979، بدلاً من تحسين علاقاته الخارجية.
جذور التدخل الإقليمي والعزلة الدولية
منذ احتجاز الرهائن الدبلوماسيين في السفارة الأمريكية بطهران، واصل النظام الإيراني خطاباته العدائية ضد الدول المجاورة والتدخل في شؤونها، بدعم وتسليح مليشيات داخل بعض هذه الدول التي تعاني من أزمات، مما ساهم في تحول بعضها إلى دول فاشلة. هذا السلوك تجذَّر بعمق في مؤسسات النظام، ويعجز عن الفكاك منه حتى لو حاول بعض القادة الإصلاحيين تعديله. لم يكتفِ النظام بالتدخل في دول المنطقة، بل امتد إلى مناكفات عقيمة واشتباكات واستفزازات طائشة تُثير حفيظة الدول الغربية، وفي مقدمتها أمريكا.
وسّع النظام نطاق أنشطته ليشمل محاولات اغتيال وتفجيرات ومهاجمة سفارات بتلك الدول، مما أدى إلى عيش إيران في عزلة سياسية وتخضع لأكثر أنظمة العقوبات الاقتصادية شمولاً في العالم. مع التطور التكنولوجي للإنترنت، أصبحت إيران من أكبر الدول التي تُخترق الأمن السيبراني للعديد من الدول، مما زاد من توتر علاقاتها الدولية.
أسلوب «حافة الهاوية» في المواجهات السابقة
استمر أسلوب «حافة الهاوية» حتى في مواجهة العام الماضي التي استمرت 12 يوماً، حين استهدفت الضربات الأمريكية المنشآت النووية الإيرانية. التزمت إيران بهذا الأسلوب من خلال ردها العسكري الرمزي لحفظ ماء الوجه، عندما أطلقت صواريخها باتجاه قاعدة العديد الجوية الأمريكية في قطر كرد فعل انتقامي، ولكن فقط بعد تحذيرات غير رسمية للسلطات القطرية والأمريكية لاتخاذ الاحتياطات اللازمة، لتجنب تصعيد أوسع لا تستطيع إيران تحمّله.
المقامرة الحالية وتداعياتها
أما الآن في خضم الحرب عليه من الولايات المتحدة وإسرائيل، خاطر النظام الإيراني بوضع أكبر رهان له على قدرته على السيطرة على التصعيد، وهي أقرب لمحاولة اليائس العاجز. يقوم النظام بمحاولة تصدير الحريق الذي يندلع فيه إلى دول الجوار، لكنها مقامرة قد تتجه بإيران نحو الهاوية. إن لم تسقطه هذه السياسة، فهي أضعفته كثيراً، وستزداد عزلته العالمية.
مع اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، توجه النظام الإيراني بعدوانه نحو دول الخليج العربي وبعض الدول المجاورة بالصواريخ والطائرات المسيَّرة، على الرغم من أن تأثير هذا العدوان كان محدوداً بفضل التدابير المضادة الناجحة ضد الهجمات الإيرانية. فما علاقة الدول المجاورة بهذه الحرب؟ بطبيعة الحال، وللتماهي مع الموقف الدولي، يقدم النظام مبررات واهية وبائسة لعدوانه على الدول المجاورة بزعم أن ذلك سببه وجود قواعد أو تواجد قوات عسكرية أمريكية بتلك الدول.
ردود الفعل الدولية والعواقب المحتملة
بينما هذه الدول، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، سعت وحاولت مراراً التوسط لمنع هذا الهجوم الأمريكي حفاظاً على السلام بالمنطقة، ورغم أنها منعت استخدام أراضيها أو أجوائها لتلك الحرب على إيران، إلا أن النظام الإيراني لم يكتف بتوجيه ضرباته للمواقع العسكرية، بل وجه بعضاً منها نحو مواقع مدنية وبُنى تحتية ومناطق سكانية. الهدف الظاهر لإيران من عدوانها على الدول المجاورة وتعطيلها للملاحة عبر مضيق هرمز هو الضغط على الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، بالإضافة للضغط على دول أخرى تخشى من تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي نتيجة ارتفاع أسعار النفط.
رغم أن هذا التأثير وارد، إلا أنه اتخذ اتجاهاً مزدوجاً. فقد أدركت بعض الدول الغربية ضرورة التحرك لوقف العدوان الإيراني على جيرانها، وانضمت بعضها إلى القوات الأمريكية، بينما كانت ترفض المشاركة في السابق. علاوة على ذلك، ثمة احتمال لتضرر علاقات هذه الدول مع إيران بعد انتهاء الحرب وزيادة عزلتها عن المجتمع الدولي.
لماذا يُصرُّ النظام الإيراني على التصعيد؟
فلماذا يُصرُّ النظام الإيراني على هذا التصعيد الذي لا يجني منه سوى المزيد من التأزم؟ إنها سمة متأصلة في نظامه الأيديولوجي، متجذرة بعمق فيما يُمكن وصفه بالدولة العميقة، حتى وإن حاول البراغماتيون تقديم بعض التنازلات. ولكن من يدري، ربما يتغير سلوك النظام إذا شعر بتهديد وجودي من الداخل أو الخارج، إنما قد يكون ذلك بعد فوات الأوان!



