حماية استقرار المنطقة: بناء توازن مستدام في الخليج عبر الدبلوماسية والحكمة
في مقابلة حديثة، تناول المفكر والدبلوماسي الأميركي ريتشارد هاس، صاحب كتاب «حرب الضرورة وحرب الاختيار»، سؤالاً قديماً يتجدد مع كل صراع جديد: لماذا تندلع الحروب؟ وهل كل الحروب حتمية؟ أعاد هاس تفكيك هذا السؤال من خلال فرضية ناقشها في كتابه، مفرقاً بين حروب تفرضها الضرورة الأمنية، وأخرى تكون نتاج قرار سياسي كان يمكن تفاديه لو أُعطيت الدبلوماسية الوقت الكافي.
تصنيف الحروب: بين الضرورة والاختيار
يضرب هاس مثالاً لحرب تحرير الكويت عام 1991، التي اعتبرها نموذجاً لحرب الضرورة، في حين كان الغزو الأميركي للعراق في عام 2003 مثالاً واضحاً لحرب الاختيار. في مقابلته، رأى هاس أن الحرب الأخيرة على إيران تندرج ضمن ما يسميه «حروب الاختيار»؛ فبحسب تقديره، لم يكن هناك تهديد وشيك أو فوري يفرض اللجوء إلى القوة العسكرية بوصفها الخيار الوحيد.
بل كانت هناك أدوات ومسارات أخرى لا تزال قائمة ومتاحة، وفي مقدمتها:
- الضغوط الاقتصادية
- سياسات الردع والاحتواء
- القنوات الدبلوماسية التي لم تُمنح الوقت الكافي لاستنفاد فرصها
ويبدو أن هذا الرأي يحظى بتأييد، فالحرب تبدو أقرب إلى منطق الاختيار بتعبير هاس، منها إلى منطق الضرورة. إيران بلا شك تمثل تحدياً استراتيجياً في المنطقة، لكن اللجوء إلى الحرب يأتي في آخر المطاف، إلا أنَّ الحرب وقعت على كل حال.
تداعيات الحروب والتوسع الإقليمي
لقد أدركنا خلال العقود الماضية كيف أن الحروب نادراً ما تبقى محصورة في أطرافها المباشرين، بل غالباً ما تتمدد إقليمياً وتتقاطع مع المصالح الدولية. ومن ثم، فإن قرار اللجوء إلى القوة العسكرية قبل استنفاد البدائل السياسية والاقتصادية غالباً ما يؤدي إلى توسيع دائرة الصراع، وتعقيد مسارات احتوائه لاحقاً.
دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، تدرك هذه الحقيقة جيداً، وتدرك أن أي حرب في منطقة الخليج لن تكون معزولة عن آثارها على أمن المنطقة واستقرار الاقتصاد العالمي. وعليه، فقد بذلت دول المجلس جهوداً دبلوماسية مكثفة خلال الفترة التي سبقت التصعيد، عبر:
- وساطات سياسية وتحركات هادئة لنقل الرسائل بين الأطراف المعنية
- التنسيق الإقليمي والدولي
- سعياً منها إلى إبقاء باب المفاوضات مفتوحاً، وتجنب انزلاق المنطقة إلى مواجهات عسكرية
الموقف الخليجي: تحييد الأراضي والحكمة في التعامل
كما أعلنت دول المجلس بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أراضيها لشن أي هجوم على إيران. في موقف سيادي يعكس حرصها على تحييد دولها عن أن تكون ساحة لحرب إقليمية مفتوحة؛ فالدول التي تقع في قلب منطقة استراتيجية مثل دول الخليج تدرك أن استقرارها يرتبط بتجنب تحويل أراضيها إلى ساحات مواجهة بين الأطراف المتصارعة.
ومع ذلك، وعلى الرغم من هذا الموقف الخليجي الواضح بتحييد أراضيه عن أي عمل عسكري ضد إيران، والتمسك بضبط النفس وتجنب التصعيد، فإن دول الخليج لم تسلم من تداعيات الحرب؛ فقد اختارت طهران توسيع دائرة المواجهة، عبر هجمات طالت عواصم دول الخليج، واستهدفت الأعيان المدنية والمطارات والمنشآت النفطية.
حيث قارب عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة التي أُطلقت منذ اندلاع الصراع 3 آلاف، الأمر الذي نقل الصراع من إطار المواجهة بين أطرافه الرئيسة ـ الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى ـ إلى دائرة إقليمية أوسع تمس أمن المنطقة واستقرارها.
التعاون الخليجي والردع الأمني
إن التأكيد مجدداً على أن أمن دول المجلس كلٌّ لا يتجزأ، هو ليس مجرد موقف سياسي، بل هو ركيزة أساسية نصت عليها اتفاقية الدفاع الخليجي المشترك بشكل صريح، والتي تقضي بأن أي اعتداء على أي من دول المجلس يُعد اعتداءً عليها جميعاً. وقد أثبت الترابط والتعاون العسكري بين دول المجلس خلال العقود الماضية، قدرته على مواجهة الأزمات والتحديات التي شهدتها المنطقة.
ومع ذلك، ورغم هذا الترابط الأمني والعسكري الوثيق وما يوفره من قدرة على الردع، اختارت دول الخليج الاستمرار في نهجها القائم على الحكمة وضبط النفس، وعدم الانجرار إلى حرب استنزاف قد توسع دائرة الصراع، وتفتح أبواب الفوضى؛ فقد اكتفت هذه الدول بالتنديد بالهجمات، وتفعيل دفاعاتها للتصدي للصواريخ والمسيرات.
مع التأكيد على احتفاظها بحقها الكامل في اتخاذ جميع الإجراءات التي تكفل حماية أمنها وسيادتها، وهو ما يعكس نهج الدبلوماسية الخليجية القائمة على تغليب الاستقرار الإقليمي، وتجنب تحويل الأزمات إلى مواجهات مفتوحة.
خيار التهدئة والعودة إلى الحوار
إن استمرار التصعيد الإيراني وتوسيع دائرة اعتداءاته باستهداف دول المنطقة، لن يؤديا إلا إلى حشد مواقف دولية أوسع ضد إيران وتعميق عزلتها، ومن ثم، يبقى خيار التهدئة والعودة إلى مسار الحوار والمفاوضات الأكثر حكمة لتجنيب المنطقة والعالم مزيداً من التوتر وعدم الاستقرار.
وأخيراً، قد تختلف تقديراتنا حول دوافع الحرب وحدودها، لكن المؤكد أن استقرار الخليج سيظل مرتبطاً بعودة المنطقة إلى منطق التفاوض؛ فالحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها نادراً ما تنتهي بالطريقة التي خطط لها أو يتوقعها صانعوها. وتجارب المنطقة شاهدة على ذلك، ولهذا تبقى الدبلوماسية، مهما بدت بطيئة أو معقدة، الطريق الأكثر أمناً لحماية استقرار المنطقة، وبناء توازن مستدام في الخليج.
