بيروت: رحلة المدينة من "الشقق المفروشة" إلى الشقق المستهدفة بالصواريخ
لطالما اتُهمت بيروت عبر السنين بأنها مدينة "الشقق المفروشة"، وهي تلك الوحدات السكنية التي تُؤجر جاهزة بأثاثها لفترات محددة، حيث يغادرها المستأجرون متى شاءوا، دون أن تُبنى علاقات جوار حقيقية أو تُنسج صداقات متينة بين السكان.
من العزلة الاجتماعية إلى الشبهة الأمنية
كانت هذه الشقق توصف بأنها غير عائلية في طبيعتها، حيث يقطنها في الغالب أشخاص عازبون، مما جعلهم "مشبوهين اجتماعياً" في نظر بعض أبناء المجتمع. مع الوقت، توسع استخدام مصطلح "الشقق المفروشة" ليشمل مجالات أخرى مثل الصحف، قبل أن يختفي تدريجياً من التداول اليومي.
تحولت المدينة الجميلة إلى ما يشبه المشاعات نتيجة هذه الديناميكيات السكنية المرنة، وغابت عبارة "الشقق المفروشة" عن الخطاب العام. في المقابل، وجد العديد من أبناء البلاد أنفسهم غرباء في مدينتهم، يعانون من عدم الاستقرار السكني.
عودة المصطلح في سياق جديد وخطير
في الآونة الأخيرة، أعادت التطورات الإقليمية والعسكرية مصطلح "الشقق" إلى الواجهة، لكن في سياق مختلف تماماً. فلم تعد الشقق مجرد وحدات سكنية مؤقتة، بل تحولت إلى شبهة أمنية بحد ذاتها، خاصة مع توسع وجود شقق مؤجرة في قلب بيروت وفنادقها، ارتبطت بأنشطة مشبوهة.
معروف أن حروب المدن تُخاض تقليدياً بالدبابات والرشاشات، لكن استهداف الشقق - سواء المرتفعة منها أو المنخفضة - بالصواريخ الموجهة يمثل اختراعاً جديداً في فنون الحرب، يُسجل لمدينة كانت شبهتها الأساسية في الماضي قاطنوها العازبون.
تطور أساليب المواجهة وتأثيرها على الحياة اليومية
ليست عمليات الاغتيال السياسي في بيروت أو غيرها من المدن بالأمر الجديد، لكن الجديد هو تطوير هذا الفن إلى قصف الشقق بالصواريخ من البحر أو البر أو الجو. وقد اعتاد سكان بيروت في هذه الأيام على سماع أزيز الطائرات على مدار الساعة، وأصبحوا قادرين على التمييز بين أصوات الطائرات المسيرة "الدرونز" والغارات الجوية والصواريخ التي تُقصف من البحر.
حملت حروب لبنان أسماء عديدة عبر التاريخ، منها "حرب الفنادق" في أوائل الحرب الأهلية. اليوم، يعود أحد الزملاء إلى الأرشيف ليستخدم عنواناً مشابهاً لتغطية خبر صواريخ فندق "الروشة"، في إشارة إلى استمرار تحول طبيعة الصراعات وتأثيرها على المشهد الحضري والاجتماعي في بيروت.
