قصف كوردستان: فشل العراقي يهاجم نموذج النجاح الفيدرالي
قصف كوردستان: فشل العراقي يهاجم نموذج النجاح الفيدرالي

قصف كوردستان: فشل العراقي يهاجم نموذج النجاح الفيدرالي

لا يمكن تفسير القصف المتكرر على إقليم كوردستان ببساطة كرد فعل أمني أو نتيجة صراعات إقليمية عابرة. هذه الهجمات، التي استهدفت على مر السنوات المطارات والفنادق وحقول النفط والغاز والبنى التحتية الحيوية، تكشف عن هدف يتجاوز التخريب المباشر: إنها محاولة لكسر نموذج مختلف داخل العراق. فالإقليم لم يعد مجرد مساحة جغرافية في نظر خصومه، بل تحول إلى تجربة سياسية واقتصادية وإدارية تثير مقارنات خطيرة، وهي المقارنات التي تخشاها قوى الفشل والسلاح أكثر من أي شيء آخر.

أسباب العداء: كشف فشل الميليشيات وسوء الإدارة

السبب الأول لهذا العداء يكمن في ازدهار إقليم كوردستان، الذي يفتح أعين مواطني المحافظات الأخرى، خاصة في الوسط والجنوب الذين أنهكتهم هيمنة الميليشيات وسوء الإدارة. عندما يرى العراقي أن جزءاً من بلده استطاع بناء قدر معقول من الاستقرار والخدمات والعمران والاستثمار، فإنه يسأل على الفور: لماذا نجحوا هناك وفشلنا هنا؟ ولهذا، لا تتعامل تلك القوى مع تجربة كوردستان كنجاح عراقي يجب تعميمه، بل كفضيحة سياسية تكشف عجزها، مما يدفعها لمحاولة وقف هذا الازدهار بكل الوسائل، من الحصار المالي إلى القصف الأمني والتشويه الإعلامي.

التدفق البشري والاقتصادي: تهديد لخطاب الكراهية

السبب الثاني هو تحول كوردستان إلى مقصد عراقي واسع، وليس منطقة منغلقة كما تحاول دعايات الخصوم تصويرها. فملايين العراقيين، معظمهم من أبناء الوسط والجنوب، يزورون الإقليم سنوياً للسياحة والاستجمام والعمل والتجارة. هذا التدفق البشري الهائل لا ينعش الاقتصاد الكوردستاني فحسب، بل ينسف أيضاً خطاب الكراهية الذي يروج لعزل الإقليم أو شيطنته. كل زائر يعود بانطباع مباشر عن الأمن والنظام والخدمات والأسواق المفتوحة، وهذا يشكل تهديداً أكبر لخصوم الإقليم من أي خطاب سياسي، لأنه يبدد الرواية التي بنوا عليها عداءهم.

الجدار الوحيد ضد اختراق الميليشيات

أما السبب الثالث، فهو أن إقليم كوردستان بقي الجدار العراقي الوحيد الذي لم تتمكن الميليشيات وممولوه من اختراقه بالكامل. في حين مدت هذه الجماعات أذرعها إلى مؤسسات الدولة والبرلمان والاقتصاد والإدارة في مناطق واسعة من العراق، ظل الإقليم عصياً على الإخضاع التام. وهذا يفسر شراسة استهدافه، ومحاولات شق الصف الكردي، ودعم الانقسامات الداخلية، والعمل الدائم على إضعاف القيادة الكوردستانية، خاصة عندما تتمسك بخيار الشراكة الدستورية والفيدرالية ورفض تحويل العراق إلى ساحة ملحقة بمشاريع خارج الدولة.

ملاذ آمن للاستثمار والمعارضة

وثمة سبب رابع لا يقل أهمية، وهو أن الإقليم أصبح ملاذاً آمناً لكثير من المعارضين للعملية السياسية الحالية، ولخصوم الأحزاب الدينية، ولأصحاب الرأي الذين ضاقت بهم البيئات الخاضعة لسطوة السلاح أو الابتزاز السياسي. كما بات أرضاً خصبة للاستثمار العراقي والعربي والأجنبي، لأن رأس المال يبحث بطبيعته عن بيئة أكثر أمناً واستقراراً وقابلية للتنبؤ. لذلك، فإن ضرب كوردستان لا يستهدف فقط الحجر والمنشآت، بل يستهدف أيضاً السمعة والثقة وفرص الاستثمار، أي صورة الإقليم كمساحة قابلة للحياة والنمو في عراق مضطرب.

الاستنتاج: معاقبة النموذج الناجح

لهذا كله، لا يبدو قصف كوردستان فعلاً منفصلاً أو نزوة ميدانية، بل جزءاً من مسار أوسع يريد معاقبة أي نموذج يثبت أن العراق يمكن أن يدار خارج منطق الميليشيا، وأن الفيدرالية يمكن أن تكون إطاراً للاستقرار لا ذريعة للتخوين. السؤال الأدق ليس: لماذا تقصف كوردستان؟ بل: من المستفيد من إطفاء بقعة الضوء الوحيدة التي ما تزال تذكر العراقيين بأن الفشل ليس قدراً، وأن الدولة ممكنة إذا انكسر احتكار السلاح والهيمنة؟ هذه الهجمات تعكس صراعاً أعمق مع نموذج مختلف داخل العراق، يفضح فشل منظومة الميليشيات وسوء الإدارة في بقية البلاد، ويؤكد أن ازدهار الإقليم يمثل تهديداً وجودياً لتلك القوى.