لبنان في عين العاصفة: الدور الأمريكي من الاحتواء إلى خيبة الأمل
منذ اندلاع الحرب في غزة عقب أحداث السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023، دخل لبنان مرحلة شديدة الحساسية مع إعلان حزب الله الانخراط في ما سمي "معركة الإسناد" دعماً لحركة حماس. ومع اتساع رقعة الاشتباكات على الحدود الجنوبية، بدا يومها أن لبنان يقف على حافة حرب شاملة مع إسرائيل، في لحظة إقليمية بالغة التعقيد. ومع الساعات الأولى لدخول حزب الله إلى جانب حماس، برز الدور الأميركي بوصفه عاملاً أساسياً في منع الانزلاق نحو مواجهة واسعة في لبنان، عبر مسار دبلوماسي وأمني متدرج هدفه احتواء التصعيد وإبقاء الصراع ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
المرحلة الأولى: جهود الاحتواء الدبلوماسي
في المرحلة الأولى من الأزمة، تحركت إدارة الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن بسرعة لاحتواء احتمالات توسع الحرب. فواشنطن كانت تدرك أن فتح جبهة لبنانية كاملة سيؤدي إلى تداعيات إقليمية خطيرة قد تتجاوز حدود الصراع بين إسرائيل و"حماس". لذلك عملت الإدارة الأميركية على إرسال تطمينات إلى إسرائيل عام 2023، مفادها أن التسرع في توجيه ضربة واسعة للبنان قد يشعل المنطقة بأسرها، وضمانات عبر إرسال بوارج حربية على مقربة من السواحل اللبنانية. وقد ساهمت هذه الرسائل في كبح الضغوط داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية التي كانت تميل إلى توسيع العمليات العسكرية باتجاه الجبهة الشمالية.
بالتوازي، أطلقت واشنطن مساراً دبلوماسياً مباشراً عبر مبعوثها الخاص إلى المنطقة آموس هوكستاين، الذي تولى مهمة الوساطة بين بيروت وتل أبيب. وقد ركزت تحركاته على تثبيت نوع من "الاحتواء المتبادل" يمنع تحول الاشتباكات الحدودية إلى حرب شاملة. إلا أن مهمته لم تكن سهلة، إذ اصطدم خلال لقاءاته مع مسؤولين لبنانيين بمواقف متحفظة، بل سلبية في بعض الأحيان، حيال الدعوات إلى وقف "حرب الإسناد" قبل التوصل إلى وقف إطلاق النار في غزة. هذه المواقف عكست حينها قناعة لدى جزء من القيادة اللبنانية ومن خلفها حزب الله بأن الضغط العسكري على الجبهة الشمالية يشكل ورقة سياسية لا ينبغي التخلي عنها مبكراً.
وقف إطلاق النار والعودة إلى الاستقرار
ومع مرور الأشهر وتزايد الضربات المتبادلة، بدأت الحرب الشاملة بين إسرائيل وحزب الله عقب تفجير أجهزة البايجر في 23 أيلول (سبتمبر) 2024. غير أن التحرك الأميركي المكثف، بالتنسيق مع أطراف دولية وإقليمية، نجح في نهاية المطاف في الدفع نحو إعلان وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني (نوفمبر) 2024، وهو تطور اعتبر محطة مفصلية في تجنيب لبنان دماراً واسع النطاق.
استمرت الرسائل الأميركية الداعية إلى تثبيت الاستقرار في لبنان ومنع عودة التصعيد مع عودة الرئيس دونالد ترامب مجدداً إلى البيت الأبيض. فقد أكد ترامب وعدد من كبار مسؤولي إدارته أن هدف واشنطن هو إبعاد شبح الحرب نهائياً عن لبنان، والعمل على بناء ترتيبات تضمن استقرار الحدود الجنوبية، وتؤدي إلى قيام عملية سلام بين بيروت وتل أبيب. وبرز دور "لجنة الميكانيزم" التي أنشئت لمراقبة تنفيذ الترتيبات الأمنية بعد وقف إطلاق النار. وقد حظيت هذه اللجنة بدعم أميركي واضح باعتبارها أداة ميدانية لضبط الوضع على الحدود، ومنع العودة إلى دوامة التصعيد التي سادت خلال الأشهر السابقة.
المسار السياسي والاقتصادي
إلى جانب المسار الأمني، دفعت الولايات المتحدة أيضاً باتجاه معالجة الأزمة السياسية اللبنانية، معتبرة أن استمرار الشغور في رئاسة الجمهورية يضعف مؤسسات الدولة ويحد من قدرتها على إدارة التحديات الأمنية. لذلك كثفت واشنطن اتصالاتها مع القوى السياسية اللبنانية بهدف تسريع انتخاب رئيس للجمهورية وإعادة تفعيل عمل المؤسسات الدستورية، وهذا ما حصل فعلياً مع بدء العام 2025 حيث تم انتخاب قائد الجيش، العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية ثم كلف نواف سلام بتشكيل حكومة العهد الأولى.
خلال تلك الفترة، شددت المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس على ضرورة معالجة مسألة سلاح حزب الله، معتبرة أن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية يشكل خطوة أساسية نحو تحقيق استقرار دائم. هذه المواقف عكست توجهاً أميركياً واضحاً لربط الاستقرار الأمني بإعادة بناء سلطة الدولة اللبنانية. ولم يحد سفير واشنطن في أنقرة، طوم براك الذي كلف بمهمات في سوريا ولبنان، عن خط الرؤية الأميركية تجاه بيروت حيث شدد كثيراً في لقاءاته على أهمية بسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة على أراضيها، مشيراً إلى أن تحقيق الاستقرار قد يفتح الباب أمام فرص اقتصادية جديدة. ومن بين الأفكار التي جرى تداولها إنشاء منطقة اقتصادية في جنوب لبنان، يمكن أن تشكل رافعة تنموية للمنطقة الحدودية وتساهم في تحسين الظروف الاقتصادية لسكانها.
خيبة الأمل وتراجع الثقة
في المحصلة، بدت السياسة الأميركية تجاه لبنان منذ اندلاع حرب غزة قائمة على محاولة من الاحتواء الدبلوماسي والضغط السياسي والدعم الاقتصادي لتجنيب لبنان فوضى ما يحصل في هذه الأيام بعد انطلاق الحملة الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وتجنباً لوقوع لبنان في فخ معارك الإسناد للمرة الثانية على التوالي. غير أن كل هذه الجهود سقطت في اليوم الثاني لاندلاع الحرب مع طهران، وسقطت معها الثقة الأميركية بالسلطة اللبنانية التي كانت قد أكدت في أكثر من مناسبة أنها باتت تمتلك حق قرار إعلان الحرب والسلم، وأنها ماضية في نزع سلاح الجماعات الخارجة عن إطار الشرعية العسكرية والأمنية.
وسط هذه الظروف والحرب الكبيرة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ومع خيبة الأمل الأميركية من الوعودات التي تبين عدم صحتها بفعل إطلاق الصواريخ أولاً، ثم ظهور مقاتلي حزب الله في منطقة جنوب الليطاني بالرغم من الإعلان اللبناني عن السيطرة عليها بشكل كامل في أوقات سابقة، يبدو أن عملية إعادة بناء الثقة الأميركية تستوجب جهوداً جبارة من قبل السلطة اللبنانية الحالية وأن تنحو باتجاه الأفعال لا الأقوال، فالبلد - لبنان - يمر بلحظة مصيرية تهدد كيانه.
