لبنان في قلب العاصفة: حزب الله يطلق صواريخ وإسرائيل ترد بقصف واسع
لبنان في العاصفة: صواريخ حزب الله ورد إسرائيل بقصف

لبنان في قلب العاصفة الإقليمية: صواريخ حزب الله تثير رداً إسرائيلياً واسعاً

مرة أخرى، يُسحب لبنان قسراً إلى قلب عاصفة إقليمية مزلزلة، بعد إقدام حزب الله على إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل. ردت إسرائيل بقصف واسع طال قرى الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، مع توغل إضافي في المناطق الجنوبية. هذه التطورات العسكرية دفعت مجلس الوزراء اللبناني إلى تبني موقف غير مسبوق، حيث أدان هذه الخطوة واعتبرتها تعدياً على الدولة وقراراتها السيادية، معلناً حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لحزب الله.

تطورات سياسية ودلالات داخلية

اللافت في هذا السياق كان امتناع حركة أمل، الشريك في الثنائية الشيعية، عن الاعتراض على القرار الحكومي. هذا الموقف يحمل إشارات سياسية عميقة تتجاوز اللحظة العسكرية، مما يعكس تحولات في البيئة الحاضنة وتوازنات الداخل اللبناني. في الوقت نفسه، أبلغت الإدارة الأميركية لبنان بأن اتفاق وقف الأعمال العدائية، الذي أُبرم بعد حرب الإسناد والإشغال، لم يعد قائماً. كما أعلنت واشنطن أنها لن تقدم دعمًا عسكريًا للجيش اللبناني في ظل استمرار واقع السلاح خارج نطاق الدولة.

أسئلة ملحة حول السيادة والاتفاقات

تفتح هذه التطورات الباب أمام سؤال حاسم لم يعد ممكناً تأجيله: إذا كان اتفاق وقف العمليات القتالية قد عُقد بين إسرائيل وطرف غير دولتي، حيث كانت السلطة اللبنانية مجرد وسيط عبر رئيس البرلمان نبيه برّي، ألا يفرض الواقع الجديد الانتقال إلى إطار مختلف؟ هذا الإطار قد يكون اتفاقاً بين إسرائيل والدولة اللبنانية نفسها، كامتداد محدث لاتفاق الهدنة، يرتكز إلى مبدأ واضح وهو وقف انخراط لبنان في النزاع العسكري مع إسرائيل، ووضع حد نهائي للأعمال القتالية عبر الحدود.

هذا الطرح لا يعني انتقال لبنان إلى موقع سياسي جديد في الصراع، بل إعادة تثبيت موقعه الدستوري كدولة، بعد عقود من تآكل القرار السيادي. ينطلق هذا النقاش من واقعية أثبتتها التجربة؛ فالحروب المتكررة أظهرت أن لبنان يدفع تكلفة تفوق قدرته بكثير، في حين يفتقر إلى أدوات التأثير في مسار النزاع، ليغدو ساحة صراع أكثر منه طرفاً مقرراً.

خيارات استراتيجية وإدارة المخاطر

من هنا، لا يُطرح تحديث منطق الهدنة بضمانات دولية كقفزة نحو تسوية كبرى أو سلام نهائي، بل كخيار يقوم على إدارة المخاطر الوطنية؛ أي تقليل الكُلَف الوجودية وحماية الاستقرار الداخلي. فالدول الصغيرة لا تختار بين الحرب والسلام بقدر ما تسعى إلى تحصين نفسها من الانهيار، وقد انتقلت دول عربية عدة إلى هذه المقاربة بعد عقود من المواجهات المفتوحة.

وتكتسب هذه المقاربة شرعية تاريخية أيضاً. ففي عام 1949، لم يكن اتفاق الهدنة استسلاماً، بل خياراً سيادياً لحماية الدولة الوليدة. واليوم، قد يكون لبنان أمام لحظة مشابهة تتطلب شجاعة سياسية لاتخاذ خيار عقلاني يحمي المجتمع والاقتصاد، دون أن يعني خروجاً عن الإجماع، أو تراجعاً عن القضية الفلسطينية.

تحولات إقليمية وآفاق دبلوماسية

وانطلاقاً من هذه الواقعية، يصبح الرهان على إطلاق مسار دبلوماسي فوري من خارج الصندوق، يهدف إلى مشروع دولي – إقليمي متكامل يعيد للبنان شرعيته الدولية، ويعيد تعريف دوره الإقليمي من موضوع للعقوبات والضغوط إلى شريك في الاستقرار الإقليمي. يقوم هذا المسار على:

  • تثبيت مرجعية الدولة في قرار الحرب والسلم.
  • ربط استقرار الجنوب بخطة إنقاذ اقتصادي تعيد إطلاق الدعم والاستثمار.
  • تأمين ضمانات عربية ودولية مستدامة.

يتطلب ذلك انتقال الخطاب اللبناني من ثنائية المقاومة أو الاستسلام إلى مفهوم السيادة الفاعلة؛ أي حماية الدولة لمجتمعها، ومنع تحويل أراضيها إلى ساحة لصراعات الآخرين.

بيئة استراتيجية متغيرة وتحديات مستقبلية

هذا الطرح يواكب التحولات الإقليمية الأخيرة التي تشير إلى تبدل عميق في بنية الصراع مع إسرائيل، من اتفاقات سابقة إلى تراجع المنظمات الخارجة عن الدولة عسكرياً وسياسياً وشعبياً بعد تكلفة حربَي غزة ولبنان. كما يتعزز هذا التحول بالمسار السوري بعد سقوط نظام الأسد، واتجاه دمشق إلى التركيز على الاستقرار وإعادة البناء والانفتاح الاقتصادي.

يبقى على لبنان العمل الجدي مع أميركا والدول العربية الصديقة للضغط على إسرائيل لتُلاقي لبنان في منتصف الطريق، على خلفية السؤال الحاسم: هل تريد إسرائيل فعلاً سلاماً إقليمياً مستداماً، أو تفضّل إدارة الصراع بدل إنهائه؟

خاتمة: لحظة تاريخية وفرصة نادرة

في النهاية، لا يتعلق الأمر باتفاق تقني، بل باختيار لبنان أن يكون دولة تسعى إلى الاستقرار والتنمية والمشاركة في النظام الإقليمي الجديد، وربما التحول إلى جسر تفاوضي ومنصة حوار بين أطراف متنازعة. اللحظات التاريخية لا تتكرر كثيراً، وما يجري اليوم قد يكون فرصة نادرة يجب استغلالها بحكمة وشجاعة.