الشرق الأوسط واللاحسم: منطق الدولة في مواجهة التصعيد الإقليمي
الشرق الأوسط واللاحسم: منطق الدولة في مواجهة التصعيد

الشرق الأوسط واللاحسم: منطق الدولة في مواجهة التصعيد الإقليمي

تتدحرج منطقة الشرق الأوسط نحو مواجهة مفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، فيما تسعى دول الخليج بقيادة السعودية إلى عدم الانزلاق إلى أتون حرب شاملة. هذا الحرص الخليجي ينبع من إدراك عميق بأن شرارة واحدة قد تدفع الإقليم إلى دوامة يصعب ضبطها، مما يهدد الاستقرار الإقليمي والعالمي.

استراتيجيات الصراع: تفوق عسكري مقابل صمود إيراني

منذ صعود الولايات المتحدة كقوة عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت قناعة بقدرتها على خوض الحروب الطويلة دون هزيمة عسكرية تقليدية. في المقابل، بنت إيران منذ عام 1979 استراتيجيتها على الصمود والمقاومة غير المتكافئة، عبر أدوات ردع غير مباشرة وشبكات نفوذ ممتدة. المواجهة الحالية تعكس هذا التباين البنيوي: تفوق عسكري وتقني أميركي واضح، يقابله سعي إيراني إلى رفع تكلفة المواجهة وتوسيع ساحاتها.

غير أن استهداف إيران لأراضٍ خليجية ومنشآت مدنية، رغم الحرص الخليجي على ضبط النفس، كشف خللاً في الحسابات الاستراتيجية. هذا التصعيد يطرح سؤالاً أكبر: هل يمكن إدارة الشرق الأوسط بعقلية الضربات الأحادية ومشاريع الإقصاء المسلح؟

التفوق العسكري وتعقيدات الحروب الحديثة

التفوق العسكري لا يُختزل في مشهد الضربة الأولى، ولا تُقاس نتائجه في ساعات أو أيام. التجارب الحديثة تشير إلى أن مسارات الحروب أكثر تعقيداً من بداياتها. الضربات قد تعيد رسم قواعد اشتباك، لكنها لا تُنهي تلقائياً الصراعات السياسية العميقة. وإيران، حتى مع تعرضها لضربات موجعة، تبقى دولة ذات عمق جغرافي وديمغرافي، فيما تبقى الولايات المتحدة قوة عالمية ذات مصالح ممتدة.

الضربة الأميركية - الإسرائيلية الأخيرة كشفت ثغرات استراتيجية إيرانية واضحة: اختراق أمني عميق، وسوء تقدير لتداعيات توسيع مسرح العمليات، ومغامرة بورقة مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية. المضيق ليس ورقة ضغط إقليمية فحسب، بل شريان اقتصادي دولي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الأسواق والتضخم والنمو العالمي.

دور دول الخليج: التوازن بين الحزم وضبط النفس

دول الخليج، في مقدمتها السعودية اللاعب الأهم والأكثر إدراكاً لحساسية الظرف، تدرك أن أي انزلاق واسع سيؤثر على مشاريعها التنموية. هذه الدول لم تعد ساحات مفتوحة لصراعات الآخرين، بل فاعل اقتصادي واستثماري محوري في النظام العالمي. لذلك جاء موقفها واضحاً: حماية السيادة، ورفض استهداف أراضيها أو مواطنيها، مع العمل في الوقت نفسه على منع توسع المواجهة.

هذا التوازن بين الحزم وضبط النفس يعكس قراءة استراتيجية بعيدة عن الانفعال. جوهر الإشكال لا يكمن في تبادل الضربات بقدر ما يكمن في منطق إدارة الصراع. الشرق الأوسط، عبر تاريخه الحديث، أثبت أنه مساحة توازنات لا تحتمل مشاريع الهيمنة الصلبة طويلاً.

البديل الواقعي: العودة إلى مفاهيم الدولة والقانون الدولي

البديل الواقعي ليس في تبني خطاب انتصار سريع، ولا في التهوين من خطورة اللحظة، بل في العودة إلى مفاهيم الدولة والقانون الدولي. احترام السيادة، وصون الممرات البحرية، وتجنب استهداف المدنيين، ليست اعتبارات أخلاقية فقط، بل قواعد ضرورية لنظام إقليمي قابل للحياة.

التنمية، والتكامل الاقتصادي، والاستثمار في الاستقرار، تمثل جميعها مساراً مختلفاً عن منطق الصواريخ والاغتيالات. لقد أثبتت السعودية مراراً وتكراراً أن الحكمة السياسية ليست تردداً، بل إدارة محسوبة للمخاطر.

الخاتمة: مستقبل المنطقة بين الإقصاء المسلح وترسيخ الدولة

الشرق الأوسط اليوم يقف أمام لحظة اختبار حقيقية. مسار الأحداث لم يُحسم بعد، والنتائج لم تتبلور، لكن الثابت أن مستقبل المنطقة لن يُبنى على منطق الإقصاء المسلح، بل على قدرة دولها على ترسيخ مفهوم الدولة، وتغليب القانون، واستبدال سباق التنمية بسباق النفوذ. وفي هذه المعادلة، يظل التعقل فضيلة استراتيجية لا تقل أهمية عن القوة نفسها.