الجغرافيا التي لا نختارها: إدارة الخلاف في محيط من الفوضى الإقليمية
الجغرافيا التي لا نختارها: إدارة الخلاف في فوضى إقليمية

الجغرافيا التي لا نختارها: واقع التعامل في محيط من الفوضى

نعيش في منطقة جغرافية تحيط بها الفوضى من جميع الجهات، بدءاً من تشاد وصولاً إلى أفغانستان، ومن شمال العراق حتى بحر العرب. في هذا المحيط الملتهب، لا تملك الدول ترف اختيار جيرانها، ولا رفاهية اعتزالهم، حيث تسود توازنات متقلبة لا تسمح برومانسية العلاقات الطبيعية.

طبيعة الصراعات الإقليمية

تتصارع دول المنطقة في العلن، بينما تلتقي في الخفاء تحت مظلة التهدئة وإدارة الخلافات. تجارب العقدين الماضيين تؤكد أن الفراغ في هذه المنطقة لا يبقى شاغراً لفترة طويلة؛ إذ سرعان ما تملؤه الميليشيات المسلحة، أو تستثمره القوى العابرة للحدود، أو يتحول إلى منصة لتصفية حسابات دولية بعيدة عن مصالح شعوب المنطقة.

من هذا المنطلق، يصبح التعامل البراغماتي مع بعض الخصوم ضرورة حتمية لحماية الاستقرار الداخلي، كما أنه يمثل قراءة واقعية لطبيعة الصراع وحدوده. في هذا الصفيح الإقليمي الملتهب، نجد أنفسنا مضطرين للجلوس مع من نختلف معهم، أو التفاهم مع من لا نثق بهم بالكامل.

تكلفة القطيعة مقابل فوائد الحوار

هذه الخطوة، رغم صعوبتها، تعد كلفة أقل بكثير من ترك المنطقة رهينة للفوضى، أو تسليم مستقبلها لمن لا يرون فيها سوى ساحة مفتوحة لتجاربهم وصراعاتهم. لقد أثبتت تجارب المنطقة أن القطيعة التامة، مهما بدت مبررة، تفتح أبواباً خلفية لقوى أكثر عدائية، وتمنح الفوضى فرصة للتسلل عبر الثغرات التي يخلّفها غياب التنسيق.

إدارة الخلاف لا تعني القبول بالآخر، كما أن الحوار لا يعني التسليم له؛ بل هو أداة فعالة لتقليل المخاطر، واحتواء التوتر، ومنع التصعيد من التحول إلى صراع مفتوح يدفع الجميع ثمنه الباهظ.

الأمن المشترك وحتمية الجغرافيا

الدول التي تتشارك الجغرافيا، مهما بلغت خلافاتها، تظل مرتبطة بحتمية الأمن المشترك، وتبقى خياراتها محدودة حين يتعلق الأمر بالاستقرار. ولعل أخطر ما يمكن أن تفعله الدول في بيئة كهذه، هو أن تترك مساحات الفراغ تتسع بينها، فتملؤها التنظيمات المسلحة، أو تتحول إلى ممرات لتدخلات خارجية لا تعبأ بمصالح المنطقة بقدر ما تعبأ بإدامة نزاعاتها.

لهذا السبب، فإن الجلوس مع الخصوم لا يعني إعادة تعريفهم كأصدقاء، بقدر ما يعني إعادة تعريف المصلحة ذاتها؛ مصلحة تقوم على تقليل الخسائر، ومنع الانزلاق إلى مواجهات لا يخرج منها أحد منتصراً.