إيران بعد سوريا: هل يصبح الكورد مفتاح إعادة التشكيل الإقليمي؟
إيران اليوم ليست في صراعٍ عابر مع واشنطن وتل أبيب، بل في مواجهةٍ مفتوحة على إعادة رسم موقعها في المنطقة. والسؤال لم يعد ما إذا كان هذا الصراع سينتهي، بل متى وكيف سيُعاد ترتيبه، ومن سيكون جزءاً من هندسة مرحلته التالية. فالتناقض بين الطرفين ليس خلافاً قابلاً للحل الدبلوماسي النهائي، بل تصادماً بنيوياً في تعريف النفوذ والهيمنة وموازين القوة.
البنية الاستراتيجية للصراع
إسرائيل ترى في المشروع الإيراني تهديداً وجودياً يتجاوز التكتيك العسكري، وإيران تجعل من العداء لإسرائيل ركيزة أيديولوجية لشرعيتها السياسية. أما الولايات المتحدة، فهي لا تنظر إلى طهران بوصفها خصماً إقليمياً فحسب، بل باعتبارها عقدة توازن ينبغي ضبطها ومنعها من التحول إلى قوة مستقلة خارج هندستها للمنطقة.
لهذا، حتى حين يخفت التصعيد أو تُفتح قنوات التهدئة، فإن جوهر الصراع يبقى قائماً. التهدئة قد تُدار، والعقوبات قد تُخفف، والتصريحات قد تتبدل، لكن البنية الاستراتيجية للتناقض لا تختفي. الحديث عن "اتفاق نهائي" كان يبدو أقرب إلى دراسة مخطط بعيد المدى وليست إلى استراحة تكتيكية أو تسوية تاريخية.
التجربة السورية كنموذج
التجربة السورية تقدم مثالاً واضحاً على هذا النمط من إدارة التحولات. فالتغيرات التي شهدتها الساحة هناك لم تكن نتاج لحظةٍ عفوية، بل حصيلة سنوات من إعادة التموضع وإعادة تعريف الأدوار. شخصيات كانت في مرحلةٍ ما خارج المقبول دولياً، بل مُصنّفة ضمن قوائم الإرهاب، وجدت نفسها لاحقاً جزءاً من معادلةٍ جديدة فرضتها الأولويات الإقليمية.
إعادة تقديم أبو محمد الجولاني تحت اسم أحمد الشرع لم تكن مجرد تغيير شكلي، بل تعبيراً عن انتقالٍ في القراءة الاستراتيجية، من منطق العزل المطلق إلى منطق الاحتواء المشروط. لا يعني ذلك وجود سيناريو معلن أو قرار أحادي، بل يعكس حقيقة أكثر تعقيداً، أن السياسات الكبرى تعيد تقييم الأدوات وفق الهدف المركزي.
الحراك الكوردي في إيران
انطلاقاً من هذا المنهج في إدارة التحولات، لا يُستبعد أن يكون الحراك الكوردي في إيران أحد العناصر التي تُدرج ضمن حسابات أي سيناريو لإعادة تشكيل النظام. فالمسألة الكوردية هناك ليست مجرد ملف حقوقي، بل نقطة ارتكاز جغرافية – سياسية شديدة الحساسية، تقع عند تقاطع الحدود والهوية والضغط الإقليمي.
إن توحيد جهود 5 أحزاب كوردية في شرق كوردستان لم يأتِ، على الأرجح، بمعزلٍ عن هندسةٍ سياسية دقيقة، قد تكون الولايات المتحدة إحدى الجهات التي أسهمت في بلورتها أو الدفع بها. فالمشهد الإقليمي يشير إلى أن إيران تقف أمام احتمالات مفتوحة، ولا يُستبعد أن يكون ملف إعادة تشكيلها حاضراً في حسابات القوى الكبرى، ولو على مستوى السيناريوهات الاستراتيجية.
التعقيدات والتحديات
مع ذلك، الإشكالية لا تكمن في مرحلة الاستفادة من هذا العامل، بل فيما بعدها، ماذا يحدث حين تتعارض مصلحة القوة المحلية مع حسابات حليف إقليمي أكبر؟ وإلى أي مدى يمكن أن يستمر أي دعم خارجي إذا تحوّل من أداة ضغط إلى عبءٍ استراتيجي؟ هنا يتبدى التعقيد الحقيقي.
فالقوى الكبرى قد تنظر إلى المسألة الكوردية بوصفها ورقة توازن، لكنها في اللحظة ذاتها مضطرة لمراعاة شبكة تحالفاتها الأوسع. وعند تقاطع المصالح، لا تُحسم المعادلة بمنطق العدالة التاريخية، بل بمنطق الأولويات الاستراتيجية.
دور تركيا في المعادلة
وهنا تبرز تركيا بوصفها العامل الأكثر إرباكاً في المعادلة. فأنقرة، الحليف المحوري في حلف الناتو، تنظر بعين القلق العميق إلى أي تصاعد للقوى الكوردية في إيران، خاصة إذا جاء ذلك بعد تجربة غربي كوردستان، حيث شعرت بأنها خاضت معركة استنزاف طويلة لإضعاف التحالف الكوردي – العربي وتقليص الدعم الأميركي لقوات سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية.
أي تحول جوهري في إيران يعزز حضور قوى كوردية منظمة قد يفتح جبهة استراتيجية جديدة أمام تركيا، ربما أثقل كلفة من الجبهة السورية. تُضاف إلى ذلك الحوارات الجارية مع عبدالله أوجلان، والتي تقرأها أنقرة بوصفها فرصة لإعادة ضبط المسار الكوردي داخل حدودها، لكنها قد تتحول، في حال تغيرت البيئة الإقليمية، إلى عنصر توتر مضاعف.
السيناريوهات المستقبلية
لذلك، لا يُستبعد أن تكون هذه السيناريوهات قيد الدراسة بالفعل في الدوائر الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية. فإعادة هندسة المنطقة لا تجري بردود الفعل، بل بحسابات طويلة الأمد. غير أن المفارقة تبقى قائمة، كل محاولة لإضعاف خصم قد تفتح باباً لمعادلة أكثر تعقيداً، وقد تُنتج خصوماً جدداً.
في النهاية، الصراع مع إيران ليس مجرد مواجهة بين دولتين، بل عقدة إقليمية تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى والحلفاء المحليين. وأي تغيير محتمل لن يكون حدثاً معزولاً، بل محطة في مسار أوسع يعيد رسم حدود القوة والنفوذ، وقد يحمل في طياته مفاجآت لا تقل خطورة عما يواجهه النظام الإيراني اليوم.
