الحرب الروسية الأوكرانية: أربع سنوات من الصراع العالمي على جبهة واحدة
الحرب الروسية الأوكرانية: أربع سنوات من الصراع العالمي

الحرب الروسية الأوكرانية: أربع سنوات من الصراع العالمي على جبهة واحدة

اليوم، تكون الحرب الروسية الأوكرانية قد أتمت سنتها الرابعة، وبدأت في طريقها نحو السنة الخامسة، في مشهد لم يكن يتوقعه الكثيرون عند بدايتها. فمن كان يتخيل أن تمتد هذه الحرب إلى هذا المدى البعيد؟ لقد بدأ الروس الصراع بتقديرات متفائلة بأنهم قادرون على حسمه في أيام قليلة، لكن الأيام تحولت إلى أسابيع، والأسابيع إلى شهور، والشهور إلى سنوات متتالية.

استمرار الوقود في الصراع

رغم امتداد نار الحرب إلى هذا المدى الذي يكاد ينسى المتابع بدايته، إلا أنها لا تزال تجد وقودها على الجانبين. كل طرف يقدم ما يمدها بما تحتاج إليه من وقود اشتعال، بينما يتمنى في داخله لو تتوقف الآن. لكن المشكلة تكمن في أن كلاً منهما تأخذه العزة بالإثم، ويخشى أن يصرح بما تحدثه به نفسه، فيظهر أمام شعبه في صورة المتخاذل الجبان.

حرب عالمية على جبهة واحدة

إذا كان هناك شيء برهنت عليه الحرب وهي تتمدد لأربع سنوات، فهو أن الحرب العالمية ليس من الضروري أن تكون متعددة الجبهات. ففي الحرب العالمية الأولى والثانية، كانت هناك أكثر من جبهة بين الأطراف، ولكن هذه الحرب تدور منذ اشتعلت على جبهة واحدة بين الطرفين الروسي والأوكراني، أو على جبهتين اثنتين، ومع ذلك فهي حرب عالمية بامتياز.

هي كذلك لأن أوكرانيا لا تحارب وحدها في الحقيقة، وإنما هي رأس حربة لأوروبا كلها. لو حارب الأوكرانيون وحدهم لكانت الحرب قد انتهت منذ زمن. وليست أوروبا وحدها التي تحارب من وراء أوكرانيا، بل الولايات المتحدة الأميركية أيضاً عاشت تحارب مع أوكرانيا إلى سنة انقضت أو أكثر قليلاً، وبالتحديد إلى أن جاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب فكان له رأي آخر نعرفه ونتابع تجلياته منذ توليه المنصب.

تحولات في السياسة الأميركية

في دورة مؤتمر ميونيخ هذا العام، رأينا كيف أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، غادر المؤتمر متوجهاً إلى المجر، وأعلن هناك أن بلاده تساند رئيس الحكومة في بودابست فيكتور أوربان، الذي سيخوض الانتخابات خلال أيام. هذه الزيارة تدل على مدى التحول الذي أصاب السياسة الأميركية تجاه الحليف الأوروبي القديم.

فلا يوجد مَنْ هو أقرب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوروبا كلها من رئيس الوزراء أوربان. ولم تنعقد قمة للاتحاد الأوروبي منذ بدء الحرب، إلا وكان أوربان يحضرها بمنطق الشريك المخالف، الذي إذا أشارت عواصم الاتحاد إلى اليمين مضى هو باتجاه الشمال، والعكس صحيح.

ردود فعل أوروبية

الغريب أن روبيو، عندما وقف خطيباً في ميونيخ، راح يتبنى لهجة تصالحية مع الأوروبيين، وتحدث عن أن بلاده ابنة أوروبا في واقع الحال. ولكنه ما كاد يصل بودابست حتى بدا كمن يقود سيارة معطياً إشارة إلى اليمين، ثم منحرفاً فجأة في ناحية اليسار!

وعندما وقف زميله وزير التجارة في الحكومة هوارد لوتنيك، يتكلم في حفل عشاء دعا إليه المؤتمر، لم يشأ أن يخفي مشاعره السلبية تجاه الأوروبيين. وقد بلغت مشاعره في هذا الاتجاه حداً جعل رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد، تنصرف في غضب وهي غير قادرة على أن تتحمل ما كان الوزير الأميركي يقوله على أرض أوروبية وعلى مسمع من الأوروبيين.

همة أوروبا في مواجهة التحديات

قديماً كان فقهاؤنا يقولون: «رُب همة أحيت أمة»، وهي عبارة تعني أن الأمة بين الأمم قد تنام طويلاً إلى حد الموات، حتى إذا جاءتها أزمة أحيت فيها الهمة، فكانت الهمة التي تُحيي الأمة. وقد راحت السيدة لاغارد تهمهم بشيء شبيه بذلك وهي تنصرف ساخطة، ثم وهي تقول إن أوروبا قادرة على أن تمضي قُدماً وبمن حضر. ولا معنى لعبارة «بمَنْ حضر» إلا أن المُضي قدماً بالنسبة للقارة لم يعد أمراً فيه اختيار.

نتائج الحرب بعد أربع سنوات

رغم مُضي السنوات الأربع من عُمر الحرب، فإن المراقب لها منذ بدايتها لا يستطيع أن يقول إن روسيا انتصرت ولا إن أوكرانيا انهزمت. فكلتاهما انتصرت مرة وانهزمت مرة، وفي الحساب الختامي هناك حرب لا عنوان لها، ولا مضمون، إلا الاستنزاف للاثنتين. وربما تمدد الاستنزاف فبلغ هذا الطرف أو ذاك مما يمدهما بالسلاح والمال، وإذا ظهر ذلك على أجلى ما يكون فسوف يظهر في خزائن الأوروبيين التي كلما أمدت الأوكرانيين طلبوا المزيد!

دليل آخر في تاريخ الحروب

كان ويل ديورانت قد جلس يكتب «قصة الحضارة» في كتابه الشهير، وكان إلى جانب الحضارة قد جلس يكتب قصة الحرب في تاريخ الإنسان. وكان قد اكتشف أن ما قضاه الإنسان من أعوام ينعم فيها بالسلام على الأرض، أقل في حقيقة الأمر من السنين التي بقي فيها يشقى بالحروب. وليست حرب السنوات الأربع واليومين إلا دليلاً آخر على ذلك يضاف إلى أكثر من دليل في سجل الصراعات البشرية الطويلة.