كردستان: صرخة الوجود في زمن الصمت العالمي
يقول الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي: إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بد أن يستجيب القدر. بينما كانت الجغرافيا تُرسم بالمسطرة والقلم فوق جراحاتنا، كان الكردي يكتب تاريخه بالدم والارتباط المقدس بالتراب. نحن الشعب الذي لم تكسره الاتفاقيات الدولية ولم تحصره الأسلاك الشائكة، لأننا نؤمن أن كردستان ليست مجرد خريطة، بل هي نبض يسري في عروق الملايين من الكرد، من مهاباد إلى ديار بكر، ومن أربيل إلى قامشلو.
تحدي الاتفاقيات التاريخية
أرض واحدة أَجحف المنتصرون في الحرب العالمية الأولى بحقنا. منذ تلك الحقبة، لا سايكس بيكو ولا أي اتفاقات دولية أثرت وتؤثر على الإنسان الكردي، حيث أثبت الكرد للعالم أجمع أنهم الرقم الصعب في معادلة الشرق. نحن الكرد أثبتنا للعالم في لحظات المحن أننا نتكاتف، وفعلاً تكاتفنا الآن مع أهلنا في غرب كردستان، وتلاشت الحدود المصطنعة أمام إرادة شعبنا.
هناك آلاف مؤلفة من شبابنا يصلون إلى غرب كردستان يومياً للدفاع عن أبناء جلدتنا. تحول الشعب إلى جسد واحد، فالمقاتل في الجبل، والأم في القرية، والشاب في الغربة، كلهم توحدوا تحت شعار واحد: الانتماء قبل كل شيء.
صمود الهوية والكرامة
إنَّ هذا التضامن العابر للحدود هو الذي جعلنا نصمد أمام أعتى العواصف التي كانت تهدف إلى محو وطمس هويتنا وانصهارنا في بوتقة العروبة والترك والفرس. شعبنا اليوم يكتب أروع ملاحم البطولة بأيدي هؤلاء الأبطال.
إن تواجد هذه الجحافل من شبابنا ورجالنا ونسائنا، الذين شدوا الرحال من أجزاء كردستان الأربعة نحو خنادق الشرف في الغرب، ليس مجرد تحرك عسكري، بل هو إعلان صارخ عن فضح وسقوط سايكس بيكو في الوجدان الكردي قبل أن يسقط على الأرض. إنه عهد الثبات.
رسالة إلى التاريخ
إنَّ التاريخ لن يذكر هؤلاء الذين صمتوا، بل سيخلد أسماء الذين رسموا بدمائهم حدود الحرية. هم لا يدافعون عن جغرافيا ضيقة، بل يدافعون عن كرامة الإنسان الكردي، يحاربون من أجل الأخوة ونشر السلام.
الذين رضعوا قيم العزة والشموخ سيبقون مرابطين في خنادقهم، يستمدون قوتهم من دعوات الأمهات اللواتي لم يبخلن بأبنائهن، ليظل حليبهن حلالاً على أبنائهن كما أردن، وليظل علم الكرامة مرفوعاً بالرغم من أنف كل المتآمرين.
نحن الكرد ظلمنا التاريخ، نبقى على العهد ونقول إن الوفاء الذي رضعناه مع حليب أمهاتنا لا يعرف التراجع. سنبقى نحن حراس الجبال وأوفياء الأرض، ولن ننتظر اعترافاً من صامت أو تبريراً من متخاذل. فالحرية لا تُمنح كصدقة، بل تُنتزع بصمود الشعوب التي لا تؤمن بالحدود.