مأساة الرقة: آلاف العائلات تبحث عن مفقوديها بين زنازين السجون والمقابر الجماعية
مأساة الرقة: عائلات تبحث عن مفقوديها في السجون والمقابر

مأساة الرقة: آلاف العائلات تبحث عن مفقوديها بين زنازين السجون والمقابر الجماعية

في مشهدٍ مؤلمٍ يعكس عمق المأساة الإنسانية في سوريا، تتجول فاطمة الراوي في شوارع الرقة الموحلة، تبحث عن ابنها المفقود منذ أشهر. تقول فاطمة، التي لا تقرأ ولا تكتب، بحسرة: "منذ أسبوع وأنا أمشي يومياً في هذه الأوحال، وأنتظر تحت المطر لعلّ ابني يعود". ابنها، موفق النهار، كان معتقلاً في سجن الأقطان شمالي مدينة الرقة، وأعلنت جهات قضائية تابعة للحكومة الانتقالية السورية فتح باب الزيارات للسجون بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من المدينة.

قصصٌ متشابكة من الألم والانتظار

ليست فاطمة وحدها في هذه الرحلة المضنية؛ فإبراهيم عبد الله الخليل يقف قلقاً بعدما عجز عن العثور على اسم أخيه عبد الستار ضمن القوائم المعلقة. اختفى عبد الستار منذ يوليو 2017 خلال العمليات العسكرية، ويقول إبراهيم: "بحثنا عنه في سجون القامشلي والحسكة، وبحثنا عن جثته في مستشفيات الرقة، وبحثنا عنه بين الجثث المنتشلة من المقابر الجماعية، لكننا لم نعثر له على أثر".

وتتوالى القصص، فالسيدة هالة خليل محمد، الستينية، تبحث عن ابنها الوحيد مهند الذي خطفه مسلحو تنظيم الدولة الإسلامية عام 2014. تقول هالة: "بحثت عنه منذ سنوات في 27 سجناً، قيل لي إنهم أخذوه من الباغوز عام 2019، ثم اختفى .. أنا على يقين أنه موجود، وما أزال أبحث عنه".

أرقامٌ صادمة وغموضٌ يكتنف المصير

بعد انسحاب مقاتلي قوات سوريا الديمقراطية من مناطق في شمال شرقي سوريا، سيطرت قوات تابعة للحكومة الانتقالية على تلك المناطق وفتحت أبواب سجون مثل الأقطان والطبقة والشدادي. وقد مكن نشر قوائم المحتجزين مئات العائلات من معرفة مصير أبنائها، لكن عائلات أخرى أصيبت بخيبة أمل كبيرة.

وتؤكد الهيئة الوطنية للمفقودين في سوريا أن مصير الآلاف من المغيبين قسراً في الرقة معقدٌ جداً، نظراً لتعاقب أطراف النزاع على المدينة. يقول محمود الأسمر، عضو الفريق الاستشاري للهيئة: "كان فتح السجون صدمة مدوية بالنسبة للأهالي، كنا نتوقع العثور على مئات الآلاف، لكن خيبة أملنا كانت كبيرة، فقد وجدنا ثلاثين ألفاً فقط".

المقابر الجماعية وتحديات التعرف على الهويات

تجهز الهيئة مراكز خاصة لاستقبال بلاغات الأهالي في الرقة وغيرها من المحافظات، مع أولويات تركز على حماية المقابر الجماعية من العبث والبحث عن مقابر جديدة. يضيف الأسمر: "قبل فتح المقابر الجماعية مستقبلاً، سنجمع بيانات المفقودين ونأخذ عينات من الأهالي، وذلك كي نربط العينات التي ستـؤخذ من الجثامين مع العينات المأخوذة من الأهالي".

وتشير تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى وجود نحو 8000 شخص لا يزالون في عداد المفقودين في شمال شرقي البلاد، مع أغلب الجثث المنتشلة تبقى مجهولة الهوية بسبب نقص أجهزة تحليل الحمض النووي.

نداءاتٌ يائسة ومستقبلٌ غامض

مع الغموض الذي يكتنف مصير آلاف المفقودين، تزداد المخاوف بين أهالي الرقة. عبد القادر حاج عبد الله، من مؤسسي رابطة ذوي المفقودين، يقول: "معظم العائلات فقدت الأمل في العثور على أبنائها أحياء، ولا سيما بعد أن فُتحت أبواب غالبية السجون".

ويضيف أن الشك لا يزال يراود قسماً من العائلات بأن أحبابهم ربما يقبعون في سجون أخرى، وسط غياب عمليات التدقيق. مع بدء عملية نقل محتجزي تنظيم الدولة الإسلامية إلى العراق، يردد عبد القادر: "رغم كل ما حدث، من حقنا أن نسأل أين أبناؤنا سواء كانوا أحياءً أو أمواتاً".

هذه المأساة الإنسانية تذكرنا بأن الحرب في سوريا تركت وراءها آلاف العائلات تنتظر إجابات، في مشهد يعكس تحديات كبيرة في مسار المصالحة والعدالة الانتقالية.