ليس الطموح الإيراني في الخليج وليد لحظة الثورة الإسلامية عام 1979، بل هو امتداد لتصور أقدم تشكل في عهد الشاه، في سبعينات القرن الماضي. تلك المرحلة شهدت صعوداً سريعاً لإيران، مدعوماً بطفرة نفطية غير مسبوقة، وتحديث عسكري، ورغبة معلنة في لعب دور القوة الأولى في الإقليم. ما تغير بعد الثورة ليس الفكرة، بل الأدوات والخطاب.
كتاب هويدا: تحذير مبكر
رغم كل الضجيج التحليلي الذي يدور منذ الحرب، تجاهل الكل كتاباً مهماً كان له صدى لدى النخبة الخليجية. ففي منتصف السبعينات، قدم الدبلوماسي الإيراني فريدون هويدا، الذي عمل مندوب إيران في الأمم المتحدة، وشقيق أمير عباس هويدا رئيس الوزراء لعقد من الزمان، قراءة مبكرة لهذا الطموح في كتابه «تهشم 79: التهديد الإيراني للغرب». الكتاب حمل في عام 1976 تحذيراً من اختلال في ميزان القوى. رأى هويدا أن إيران الشاه تتجه لتكون القوة المهيمنة في الخليج، مستندة إلى فائض مالي كبير وجيش متطور. الأخطر في تحليله أن هذا الفائض من القوة قد يدفع، بشكل طبيعي، إلى التمدد، حتى دون إعلان نيات توسعية صريحة، وحدد موعداً هو آخر العقد السبعيني، إلا أنه يستنزف المجتمع، وهو ما أدى إلى الثورة.
فراغ القوة بعد خروج بريطانيا
يرى الكاتب أن خروج بريطانيا من الخليج ترك فراغاً حاول الشاه ملؤه عبر تقديم إيران كـ«شرطي المنطقة». هذا الدور حمل في طياته نزعة تفوق عرقي مدعومة بتصور ذاتي لدى الشاه بأنه وارث لإرث فارسي تاريخي. هنا تتضح الفكرة المركزية: عندما تجتمع الموارد مع الطموح، يصبح التمدد خياراً، وترتفع التكلفة.
الثورة تغير الأدوات لا الهدف
هذا المشروع القومي لم يتحقق. جاءت الثورة الإيرانية لتقلب النظام، لكنها لم تنه الطموح في التوسع، بل أعادت صياغته. انتقل المشروع من إطار قومي إلى إطار قومي/ديني، يلبس المذهب ويستثمره سياسياً. لم يعد الخطاب عن «إيران القوة الحديثة»، بل عن «إيران الثورة» و«تصدير النموذج» و«التفويض الإلهي» و«الوصاية».
النظام الجديد ورث أدوات القوة، وأضاف إليها أداة أكثر تأثيراً: الآيديولوجيا. إذا كان الشاه اعتمد على الجيش والاقتصاد، فإن النظام بعد 1979 اعتمد على الشبكات العقائدية وتعدد القوة العسكرية. هذا التحول لم يتطلب الحاجة إلى اجتياح مباشر، بل إلى بناء نفوذ لجماعات ولائية داخل المجتمعات، إلا أن التكلفة كما وهنت الشاه، وهنت الملالي، فزاد الفقر والفاقة.
نفوذ إيران في المنطقة
- العراق: استثمرت طهران مليارات الدولارات في تشكيل بنية نفوذ عقائدية متعددة.
- لبنان: أصبح «حزب الله» نموذجاً مكتملاً لدولة داخل دولة.
- سوريا: تدخلت لحماية حليف استراتيجي، ونجحت لفترة في تثبيت نفوذ عسكري وسياسي.
- اليمن: دعمت جماعة «الحوثي» لتشكل ورقة ضغط على خاصرة الخليج الجنوبية.
أما في دول الخليج، فقد اتخذ التمدد شكلاً مختلفاً. لم يكن ممكناً بناء كيانات موازية، كما في لبنان أو العراق، لكن جرى العمل على زرع شبكات تأثير محدودة تستند إلى خطاب عقائدي. صحيح أن هذه المحاولات بقيت في إطار ضيق، وأن الغالبية الساحقة من المواطنين في الخليج حافظت على ولائها الوطني.
الفرق الجوهري بين المشروعين
الفرق الجوهري بين مشروع الشاه، كما جاء في ذلك الكتاب، ومشروع الملالي المحقق، يكمن في الوسيلة لا في الهدف. الأول كان مشروعاً قومياً يسعى للهيمنة عبر القوة الصلبة. الثاني مشروع قومي/ديني يستخدم المذهبية أداة تعبئة، ويعتمد على القوة الناعمة والخشنة معاً. لكن في الحالتين، الخليج حاضر كمساحة حيوية وهدف.
صلاحية تحذير هويدا اليوم
ما يلفت النظر أن كتاب هويدا، رغم أنه كتب قبل الثورة، يظل صالحاً لفهم جزء من المشهد الحالي. تحذيره من اختلال ميزان القوى، ومن مخاطر تركيز القوة في يد دولة واحدة، واستنزاف اقتصادها، يتكرر اليوم بصيغة مختلفة. الفارق أن الأدوات أصبحت أكثر تعقيداً، وأن الصراع انتقل من الجغرافيا إلى العقول والولاءات.
العلاقة مع الغرب: تحول لافت
كما أن العلاقة مع الغرب شهدت تحولاً لافتاً. الشاه كان حليفاً للغرب، والنظام الجديد يرفع شعار العداء له. لكن النتيجة في الحالتين واحدة: استخدام الغرب لتعزيز الموقع الإقليمي. في الأولى عبر التحالف، وفي الثانية عبر الصراع. كلاهما، في رأي النظامين، يخدم هدف تثبيت الدور الإيراني فاعلاً في الإقليم.
هل الطموح قابل للاحتواء؟
السؤال: هل هذا الطموح قابل للاحتواء؟ التجربة تشير إلى أن الرد لا يكون بالمواجهة المباشرة، بل ببناء توازن إقليمي متماسك. دول الخليج، التي وصفها هويدا في السبعينات بأنها ضعيفة، أثبتت مع الزمن قدرة أكبر على التماسك والتكيف، والصلابة في المقاومة، لكن التحدي لا يزال قائماً، خاصة مع استمرار محاولات الاختراق.
خلاصة: مسار ممتد
الطموح الإيراني في الخليج ليس انحرافاً طارئاً، بل مسار ممتد. تغيرت الأنظمة، وتبدلت الشعارات، لكن الفكرة بقيت واحدة: السعي إلى دور إقليمي يتجاوز الحدود ويثقل كاهل الشعوب الإيرانية. قراءة هذا المسار، من الشاه إلى الملالي، تكشف أن ما يتغير هو الشكل، أما الجوهر فيبقى ثابتاً: فائض قوة يبحث عن مجال حيوي.
آخر الكلام: من قومية الشاه إلى عقائدية الملالي... الخسارة واحدة.



