المضائق البحرية، شرايين التجارة العالمية.. لكن ماذا لو تحولت إلى «بوابات جباية»؟ يتردد هذا السؤال في الصحف العالمية مع تفاقم الأزمة في مضيق هرمز، وإصرار إيران على تقاضي رسوم عبور، في سابقة لم يشهدها التاريخ المعاصر، ولا القديم. فمنذ الأزل وجدت هذه الممرات البحرية الطبيعية لتسهيل مرور السفن، وتسهيل التجارة العالمية التي تستفيد منها الدول التي تقع جغرافياً على ضفة مضيق، وتستفيد منها باقي دول العالم.
الوضع الحالي في مضيق هرمز
منذ أعلنت إيران عزمها على استيفاء رسوم مرور، انبرت الصحف بتذكيرها بقانون البحار الذي يمنع هذه الرسوم. ورد المدافعون بأننا في زمن لا تُحترم فيه القوانين الدولية في غزة ولا في لبنان، فلماذا يجب أن تُحترم في المضيق؟ الجواب العاقل: هو أن الوضع هنا يختلف، لو كانت الرسوم تُعتبر مسألة عابرة بسبب الظروف الأمنية، وتؤخذ بسبب تأمين المرور الآمن في زمن التوتر، مع تأكيد أنها ستتوقف بعد الحرب، قد تجد من يبررها، ولو أنها غير قانونية. لكننا اليوم نواجه خطراً مهماً هو محاولة تكريس الوضع المؤقت إلى دائم. وبدأ الحديث عن تأكيد حق إيران في الاستمرار في تقاضي الرسوم، وحتى هناك من تحدث عن مشاركة فيها.
الفرق بين القنوات والمضائق
وقبل أن نبدأ، يجب أن نفهم الفرق بين القنوات المائية التي تُحفر داخل دول معينة تقتطع أجزاء من أراضيها، وتتكلف بفتح قنوات مرور لتسهيل التجارة، ويكون لها المردود الاقتصادي المباشر على العالم، مثل قناة السويس وقناة بنما. هذه الدول يحق لها أن تتقاضى رسوم مرور، لكن للمضائق البحرية الطبيعية وضع مختلف. هذه المضائق ليست مجرد جغرافيا، بل نظام حياة للاقتصاد العالمي. لهذا المبدأ كانت اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار ليست تفصيلاً قانونياً، بل قاعدة استقرار دولي.
خطر انتشار العدوى إلى مضائق أخرى
لكن ماذا لو تم كسر هذا المبدأ؟ ماذا لو سرت «العدوى» إلى باقي المضائق العالمية، وتحولت جميعها إلى نقاط تحصيل رسوم؟ لفهم خطورة ذلك، يجب أولاً أن نذكر أهميتها. مضيق «باب المندب» الذي يربط البحر الأحمر بالمحيط الهندي، أي اضطراب فيه يعطل تجارة أوروبا وآسيا. مضيق «ملقا»، وهو بين ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة وهو أحد أكثر الممرات ازدحاماً، ويعتبر شرياناً رئيسياً لتجارة الصين واليابان. وهناك المضائق الأوروبية مثل مضيق «جبل طارق» الذي يربط البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، ويعتبر نقطة العبور بين أوروبا وإفريقيا. وأيضاً مضيق «البوسفور» الذي يربط البحر الأسود بالمتوسط. ومضيق «الدردنيل» ويعتبر بوابة استراتيجية لروسيا وأوروبا الشرقية. ومضيق «فلوريدا» بين أمريكا وكوبا. ومضيق «ماجلان» جنوب أمريكا الجنوبية. عدا عن مضائق كثيرة ذات أهمية كبيرة في تسهيل المرور البحري الآمن الذي يحتاج إليه العالم كله، مثل مضيق «الدانمارك»، ومضيق «تايوان» الذي يُعتبر اليوم محور توتر عالمي في تجارة الإلكترونيات.
الآثار الاقتصادية والجيوسياسية
مما سبق نجد أن كسر حرية الملاحة خطر سيؤدي إلى تفكك النظام التجاري العالمي. وإذا سرت هذه «العدوى» سيكون العالم أمام أخطار ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار الطاقة والغذاء، وغيرها، وأول من سيتضرر ويدفع الثمن الدول الفقيرة والمستهلك العادي. ما يُكرس في مضيق لا بد أن ينتشر في باقي المضائق فتتحول إلى نقاط ابتزاز اقتصادي، ويجد العالم نفسه أمام عسكرة الممرات الطبيعية في سابقة خطرة. الدول ستسعى لحماية تجارتها بالقوة، ما يدفع لزيادة الأساطيل العسكرية، وارتفاع احتمال المواجهة. ومع انهيار مبدأ قانون حرية الملاحة عالمياً سينهار مبدأ هو أحد أعمدة الاستقرار التجاري، كسره يعني عودة «قانون القوة» بدل القانون الدولي، وفوضى في إدارة البحار.
الخلاصة: ضرورة الحفاظ على النظام الحالي
علينا أن نعي أهمية الحفاظ على هذا النظام الذي إن انكسر سيضرب سلاسل الإمداد ويعطل الصناعات، ويزداد ارتفاع التأمين البحري. المضائق ليست مجرد ممرات في البحر، هي الأصل في الاقتصاد العالمي. إن تحويلها إلى «بوابات جباية» لا يعني زيادة رسوم فقط، بل إعادة تشكيل النظام العالمي، ونقل الصراع من البر إلى البحر. فتصبح التجارة رهينة الجغرافيا. لهذا، فإن الدفاع عن حرية الملاحة في هرمز ليس موقفاً قانونياً فقط، بل ضرورة اقتصادية عالمية. إن القبول بقرار الجباية في مضيق هرمز، يفتح الباب أمام تكرار النموذج. إن قراراً بهذه الخطورة.. يدفع العالم إلى هوة لا قرار لها.



