تتواصل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران للأسبوع السابع على التوالي، في وقت تبدو ملامح النهاية بعيدة رغم تصاعد الحديث عن مسارات دبلوماسية محتملة. فالتصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تعكس موقفا حذرا، بل ومفتوحا على كل الاحتمالات، إذ أكد أنه "لا يوجد إطار زمني" لإنهاء الحرب، مشددا على أن التعجل ليس مطروحا في حساباته. هذا الموقف، الذي جاء خلال مقابلة مع فوكس نيوز، يعكس تحولا واضحا مقارنة بتوقعاته السابقة حين أشار إلى أن الحرب قد تستمر بين أربعة إلى ستة أسابيع. واليوم، ومع تجاوز الصراع هذه المدة، تتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن وطهران تمتلكان بالفعل تصورا واقعيا لإنهاء المواجهة بينهما.
حرب بلا حسم وضغط اقتصادي متصاعد
على الأرض، لم تحقق الحرب أهدافها الحاسمة، فبعد سبعة أسابيع من العمليات، لم تنجح الولايات المتحدة في إسقاط النظام الإيراني أو إجباره على تلبية شروطها بالكامل. في المقابل، تكبدت إيران ضربات عسكرية وصفت بالقاسية، لكنها أظهرت قدرة لافتة على الصمود وفرض كلفة اقتصادية كبيرة على خصمها. وتكمن نقطة التحول الأبرز في ساحة الاقتصاد، حيث أدى تصعيد طهران وسيطرتها على مضيق هرمز إلى تعطيل جزء كبير من شحنات النفط العالمية، ما تسبب في واحدة من أعنف صدمات الطاقة في التاريخ الحديث. ورغم أن الولايات المتحدة لا تعتمد بشكل مباشر على هذه الإمدادات، فإن ارتفاع الأسعار انعكس سريعا على المستهلك الأمريكي، من الوقود إلى تذاكر الطيران. تحذيرات صندوق النقد الدولي من خطر ركود عالمي زادت من تعقيد المشهد، بينما بدأت تداعيات الحرب تضرب قواعد انتخابية تقليدية لترامب، مثل المزارعين الذين تأثروا بتعطل شحنات الأسمدة.
السياسة الداخلية تضغط والدبلوماسية تعود
مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في الولايات المتحدة، يواجه الجمهوريون ضغوطا متزايدة للحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة في الكونغرس. هذا العامل الداخلي، إلى جانب اضطرابات الأسواق المالية، دفع إدارة ترامب إلى التحول المفاجئ نحو الدبلوماسية في الثامن من أبريل/نيسان، بعد أسابيع من التصعيد العسكري. ويرى محللون أن هذا التحول لم يكن خيارا بقدر ما كان ضرورة. إذ قال بريت بروين، المستشار السابق في إدارة باراك أوباما، إن "الضائقة الاقتصادية تمثل نقطة ضعف واضحة في هذه الحرب".
طهران: تفاوض من موقع القوة
في المقابل، لا تبدو إيران متعجلة لإنهاء الصراع، فبحسب تحليل نشرته صحيفة الغارديان، يرى الكاتب سينا توسي أن طهران لا تتعامل مع المفاوضات كبديل عن الحرب، بل كامتداد لها. ويشير التحليل إلى أن إيران دخلت المفاوضات "من موقع قوة متصور"، معتبرة أن الحرب لم تضعفها بل عززت ثقتها بقدرتها على الصمود. كما أن امتلاكها أوراق ضغط مثل البرنامج النووي والسيطرة على مضيق هرمز يمنحها هامش مناورة واسع. وترى القيادة الإيرانية أن هذه القدرات ليست أوراقا قابلة للتفاوض، بل "ركائز أساسية للأمن"، في حين تعتبر أن أي تخفيف للعقوبات يمكن التراجع عنه، ما يجعلها أقل استعدادا لتقديم تنازلات جوهرية.
فجوة في التوقعات وغياب أرضية مشتركة
تصريحات ترامب التي قال فيها "لا أريد 90% ولا 95%… أريد كل شيء" تعكس بدورها تشددا أمريكيا، ما يعمق الفجوة بين الطرفين. وبينما تواصل واشنطن الرهان على الضغط لانتزاع تنازلات، تبدو طهران مقتنعة بأن الزمن يعمل لصالحها. كما أن الجولة الأولى من المفاوضات، التي وصفت بأنها "تقييمية"، أظهرت غياب رؤية واضحة لدى الطرفين لتحقيق اختراق سريع، حيث كان كل جانب يسعى لاختبار الآخر أكثر من التوصل إلى اتفاق.
اتفاق محتمل لكن بشروط صعبة
رغم ذلك، لا تزال هناك مؤشرات على محاولات لصياغة اتفاق، فقد أشار ترامب إلى إمكانية تعاون بلاده مع إيران لاستعادة مخزون من اليورانيوم عالي التخصيب ونقله خارج البلاد، وهو ما نفته طهران بشكل قاطع. وتؤكد الإدارة الأمريكية وجود "خطوط حمراء" في المفاوضات، أبرزها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وهو هدف تصر طهران على نفي سعيها إليه.
سؤال بلا إجابة
في ظل هذه المعطيات، يبدو أن السؤال حول وجود تصور مشترك لإنهاء الحرب لا يزال بلا إجابة واضحة. فبين ضغوط الاقتصاد والسياسة في واشنطن، وثقة الصمود في طهران، تتعقد فرص الوصول إلى تسوية سريعة. ومع تحذيرات الخبراء من أن آثار الحرب الاقتصادية قد تستمر لسنوات، حتى لو توقفت العمليات قريبا، يبقى الثابت الوحيد أن كلفة استمرار الصراع تتصاعد على الجميع. في النهاية، قد لا يكون التحدي في إنهاء الحرب بقدر ما هو في الاتفاق على شكل السلام إن كان ممكنا أصلا.



