مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية في الحرب مع أمريكا وإسرائيل
مضيق هرمز ورقة ضغط إيرانية في الحرب مع أمريكا وإسرائيل

يُعد مضيق هرمز واحدًا من أهم الشرايين الحيوية في العالم، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز، ما يجعله ليس مجرد ممر مائي فحسب بل ركيزة أساسية لاستقرار الاقتصاد الدولي. ومع اندلاع الحرب الحالية بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، عاد هذا المضيق إلى واجهة الأحداث بوصفه ساحة ضغط إستراتيجية تريد إيران استخدامها لتحقيق مكاسب سياسية.

تحديات غير مسبوقة لأمن الملاحة

لقد فرضت هذه الحرب تحديات غير مسبوقة على أمن الملاحة في مضيق هرمز، حيث سارعت إيران إلى استخدام موقعها الجغرافي كورقة قوة، فأقدمت في بداية الحرب على إغلاق المضيق ولوّحت بفرض رسوم على السفن العابرة، في خطوة تتجاوز الأعراف الدولية وتضرب مبدأ حرية الملاحة في المياه الدولية في مقتل. ثم عادت لإغلاقه مرة أخرى بعد فتحه لفترة وجيزة للغاية عقب الحصار الأمريكي لموانئها، وهو التصرف الذي لا يهدّد فقط دول المنطقة بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأسره الذي يعتمد بشكل كبير على تدفق الطاقة عبر هذا الممر الضيق.

تاريخ إيران في تهديد الملاحة

هذا السلوك ليس جديدًا على إيران؛ فقد سبق لها خلال الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي أن استهدفت ناقلات النفط وهدّدت التجارة الدولية فيما عُرف وقتذاك بحرب الناقلات. وقد أدرك المجتمع الدولي خطورة ترك هذا الممر الحيوي رهينة للتوترات الإقليمية، فتدخلت قوى كبرى لضمان استمرارية الملاحة. واليوم تعود إيران إلى النهج ذاته محاولة إعادة فرض نفسها كقوة قادرة على التحكم في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

أداة نفوذ سياسي واقتصادي

إن إعادة طرح قضية مضيق هرمز على هذا النحو تعكس رغبة إيرانية واضحة في تحويله إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي، بما يتجاوز حدود السيادة الوطنية، مع السعي لفرض واقع جديد على المجتمع الدولي. فبدلاً من أن يكون المضيق ممرًا مفتوحًا للجميع وفق القوانين الدولية، تسعى إيران إلى إخضاعه لإرادتها مستخدمة التهديدات العسكرية والتصعيد الإقليمي لتحقيق مكاسب إستراتيجية.

خطر على الأمن والسلم الدوليين

غير أن ترك مضيق هرمز في قبضة دولة تتبنى سياسات تصعيدية وتملك طموحات في تطوير برامج نووية وصناعات عسكرية إستراتيجية، يشكّل خطرًا حقيقيًا على الأمن والسلم الدوليين. فالممرات البحرية الدولية يجب أن تبقى تحت مظلة القانون الدولي والتوافق العالمي، لا أن تتحوّل إلى أدوات ضغط بيد طرف واحد يسعى لفرض أجندته.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الصراع على مفاصل الاقتصاد العالمي

لم تقتصر الحرب الأخيرة على المواجهة العسكرية المباشرة بل شملت أيضًا صراع الإرادات والرغبة في السيطرة على مفاصل الاقتصاد العالمي، ومضيق هرمز يقف اليوم في قلب هذا الصراع كرمز لأهمية الجغرافيا السياسية في تشكيل ملامح المستقبل. وفي ظل هذه المعطيات يصبح من الضروري أن يتحرك المجتمع الدولي بشكل حازم لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ومنع أي محاولات لاحتكاره أو تعطيله، فاستقرار هذا الممر ليس شأنًا إقليميًا فحسب، بل مسؤولية عالمية تتطلب تضافر الجهود للحفاظ على توازن المصالح ومنع انزلاق المنطقة إلى مزيد من التصعيد.

موقف أمريكي حازم وتداعيات دولية

وفي خضم هذا التصعيد، أعلنت الولايات المتحدة على نحو حازم أنها لن تسمح لإيران بإغلاق مضيق هرمز أو فرض أي رسوم على الملاحة الدولية، معتبرة أن ذلك يشكّل تهديدًا مباشرًا لمصالحها ولمصالح حلفائها، بل وقامت بحصار الموانئ الإيرانية المطلة على المضيق وحصار السفن الإيرانية لمنع إيران من أن تكون لها اليد العليا في التحكم في المضيق. غير أن هذا الأمر يثير تساؤلًا مهمًا: هل يعكس هذا الموقف إرادة أمريكية منفردة لحماية نفوذها الإستراتيجي، أم أنه تعبير عن موقف دولي أوسع؟ الواقع يشير إلى أن تعثر مجلس الأمن الدولي مؤخرًا في اتخاذ قرار واضح يضمن فتح المضيق قد أضعف الإجماع الدولي، وترك المجال أمام واشنطن لتتصدّر المشهد منفردة. وهذا بدوره يعكس خللًا في بنية النظام الدولي، حيث باتت القضايا الكبرى مثل حرية الملاحة تُدار أحيانًا بمنطق القوة بدلًا من التوافق الدولي، الأمر الذي يزيد من تعقيد الأزمة ويجعل احتمالات التصعيد تتزايد أكثر فأكثر.

أزمة النظام العالمي ومستقبل المضيق

لا شك أن غياب موقف دولي موحد يعكس أزمة أعمق في النظام العالمي، حيث لم يعد مجلس الأمن قادرًا على أداء دوره التقليدي في حفظ السلم والأمن الدوليين، نتيجة تضارب المصالح بين القوى الكبرى. هذا الفراغ يفتح الباب أمام سياسات أحادية، وفي ظل هذه المعطيات تبدو الأزمة حول مضيق هرمز مرشحة لمزيد من التعقيد، حيث يتداخل فيها البعد العسكري مع البعديين الاقتصادي والسياسي، مما يجعل أي حل مستدام مرهونًا بإعادة تفعيل العمل الدولي المشترك، ووضع قواعد واضحة تضمن حرية الملاحة بعيدًا عن التهديدات أو الابتزاز.