يتناول المقال مسيرة الرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي في واحدة من أكثر المراحل حساسية بتاريخ اليمن الحديث، منذ توليه السلطة عام 2012 وحتى قراره نقلها عام 2022. يسلط الضوء على تمسكه بخيار الدولة والجمهورية في مواجهة انقلاب مليشيا الحوثي عام 2014، وندائه للتحالف العربي بقيادة السعودية عام 2015 لحماية اليمن وهويته العربية.
الرئيس في عواصف السياسة
حين تتكاثر العواصف السياسية، يظهر الرجال الذين تُختبر مواقفهم لا شعاراتهم. والرئيس اليمني الراحل عبدربه منصور هادي كان واحدًا من أولئك الذين وضعتهم الأحداث أمام خيارين: الانحناء للمشروع الانقلابي أو التمسك بالجمهورية مهما بلغت التضحيات، فاختار الدولة. منذ توليه السلطة في مرحلة شديدة الحساسية عام 2012، أدرك هادي أن اليمن يقف على حافة التحولات الكبرى، وأن الحفاظ على تماسك الدولة ليس مهمة سياسية عابرة، بل معركة وجود. حاول أن يقود البلاد وسط إرث ثقيل من الانقسامات والأزمات، واضعًا مصلحة اليمن فوق الحسابات الضيقة، في وقت كانت فيه المنطقة كلها تعيش على وقع الفوضى والاضطراب.
موقف حاسم في وجه الانقلاب
وعندما اجتاحت ميليشيا الحوثي مؤسسات الدولة وانقلبت على الشرعية في 2014، لم يذهب هادي إلى مساومات تحفظ له موقعًا شخصيًا، بل اختار الوقوف في صف الجمهورية رغم اختلال موازين القوة، مدركًا أن سقوط الدولة اليمنية بيد المشروع الحوثي يعني فتح الباب أمام تهديد يتجاوز حدود اليمن إلى عمقه العربي. وفي اللحظة الأخطر من تاريخ اليمن الحديث، جاء نداء الرئيس هادي للأشقاء في المملكة العربية السعودية ودول التحالف العربي عام 2015 بوصفه موقفًا سياسيًا وتاريخيًا لحماية اليمن وهويته العربية. ذلك النداء لم يكن بحثًا عن نجاة شخصية، بل محاولة لإنقاذ دولة كانت تتعرض للاختطاف الكامل من قبل مشروع طائفي مسلح.
التمسك بالشرعية حتى النقل السلمي
وظل هادي طوال سنوات الأزمة متمسكًا بشرعية الدولة اليمنية ووحدة البلاد وحق الشعب اليمني في استعادة مؤسساته، رافضًا أن تتحول اليمن إلى منصة تخدم أجندات إقليمية على حساب هويتها العربية ومحيطها الطبيعي. كما أن قراره بنقل السلطة عام 2022 عكس إدراكًا سياسيًا بأن الأوطان أكبر من الأشخاص، وأن المرحلة تتطلب إعادة ترتيب الصف الجمهوري بما يخدم استقرار اليمن ومستقبله، وهي خطوة تُقرأ ضمن مواقف رجل الدولة الذي غلّب المصلحة العامة على البقاء في المشهد. قد تختلف القوى السياسية حول كثير من التفاصيل، لكن التاريخ عادة يحتفظ بالمواقف الفاصلة، وسيظل موقف الرئيس عبدربه منصور هادي حاضرًا باعتباره أحد الذين تمسكوا بالجمهورية اليمنية في أصعب لحظاتها، ورفضوا أن تُسلَّم الدولة لميليشيا والانقلاب.



