تساؤلات عميقة حول تداعيات 7 أكتوبر 2023: من غزة إلى إيران، هل كان خطأً استراتيجيًا؟
تداعيات 7 أكتوبر 2023: هل فتح بابًا لم يُغلق في الإقليم؟

تساؤلات عميقة حول تداعيات 7 أكتوبر 2023: من غزة إلى إيران، هل كان خطأً استراتيجيًا؟

بعد مرور أكثر من عامين على هجوم 7 أكتوبر 2023، الذي أطلقته حركة حماس تحت اسم "طوفان الأقصى"، لم يعد النقاش في الخطاب العربي محصورًا في الدمار الذي حل بغزة أو مستقبل إعادة الإعمار هناك. بل اتسع ليشمل مراجعة شاملة لكل المشاهد التي حدثت في الإقليم منذ تلك اللحظة، متسائلًا عما إذا كانت قد فتحت بابًا لم يُغلق عند حدود القطاع، بل امتد تدريجيًا ليشمل تصفية الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله وقادة الحزب، ثم سقوط نظام بشار الأسد في سوريا، وصولًا إلى حرب أميركية إسرائيلية مباشرة على إيران ومقتل المرشد الإيراني علي خامنئي.

من "الإسناد" إلى سؤال المسؤولية: هل أُسيء تقدير حدود الرد؟

في قلب هذا الجدل، تتصاعد أصوات تعتبر أن ما جرى لم يكن مجرد مواجهة فلسطينية إسرائيلية معتادة انفجرت ثم امتدت، بل خطأً استراتيجيًا أطلق سلسلة تفاعلات كشفت هشاشة ما كان يُقدَّم لسنوات بوصفه "محور مقاومة" قادرًا على فرض توازن ردع إقليمي وحماية نفسه. بالنسبة إلى أصحاب هذا الرأي، فإن السؤال لم يعد يتوقف عند التساؤل: هل كان هجوم "طوفان الأقصى" ضربة مفاجئة أربكت إسرائيل في لحظتها الأولى؟ بل يمتد اليوم ليتساءل: هل أحسنت قيادة حماس أصلًا تقدير حجم الرد واتساعه المحتمل وحدود الانخراط الأميركي وقدرة الحلفاء الإقليميين على تحمّل حرب استنزاف طويلة بهذا الحجم؟

مع مرور الوقت، لم تُدمَّر غزة وحدها، بل شهدت المنطقة استنزافًا كبيرًا لقدرات حزب الله، ثم جاءت تحولات سوريا أواخر عام 2024 لتُسقط إحدى أهم حلقات النفوذ الإيراني في المنطقة، قبل أن تصل الضربات لاحقًا إلى قلب النظام الإيراني نفسه. فلم تعد الانتقادات اليوم، مع اتساع جغرافيا الصراع، موجهة فقط إلى نتائج القرار، بل إلى بنيته الأصلية: هل كان هناك تصور فعلي لما بعد الصهدمة الأولى، أم أن المنطقة كلها دُفعت إلى تدحرج مفتوح بلا سقف سياسي واضح؟

الجدل في المجال العام: من التحليلات السياسية إلى المنصات الرقمية

هذا الجدل لم يعد حبيس التحليلات السياسية فقط، بل صار أكثر حضورًا في المجال العام العربي وعلى المنصات الرقمية، حيث تتكرر صيغة شبه موحدة: لولا قرار 7 أكتوبر لما انفتح الباب أصلًا على هذا المستوى من التصعيد، ولما جرى استدراج المحور إلى مواجهة كشفت محدودية قدرته على حماية نفسه أو حماية المجتمعات التي تتحرك باسمه. وفي هذا السياق، يرى محللون لشؤون الشرق الأوسط أن حماس لم تدفع الثمن وحدها، بل دفعه الغزيون العزل أولًا، ثم امتدت الكلفة إلى حلفاء الحركة وشبكة الدعم التي طالما قُدّمت باعتبارها ضمانة استراتيجية في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

تزداد حدة هذا النقد لأن مفاعيله لم تبقَ خارج المزاج الفلسطيني نفسه. ففي ربيع عام 2025، خرج مئات ثم آلاف الفلسطينيين في شمال غزة في احتجاجات نادرة ضد حماس، ورددت بعض الهتافات بشكل مباشر "حماس برا" و"الشعب يريد إسقاط حماس". هذا يشير إلى تحول في الرأي العام الفلسطيني، حيث لم يعد الدعم للحركة مطلقًا في ظل التداعيات الكارثية.

سؤال المآل: من مشروعية المقاومة إلى حدودها العملية

في قلب هذا السجال، يبرز سؤال أكثر عمقًا من مجرد تبادل الاتهامات: هل قرأت حماس، ومعها المحور الداعم لها، طبيعة الرد الإسرائيلي الأميركي قراءة خاطئة منذ البداية؟ فحين قالت الحركة في حزيران (يونيو) 2025 إن إيران "تدفع الثمن" بسبب دعمها الطويل للفصائل الفلسطينية في غزة، بدا ذلك بمثابة اعتراف ضمني بأن العلاقة بين الساحة الفلسطينية وطهران لم تعد مجرد تقاطع سياسي أو خطاب تضامني، بل باتت جزءًا مباشرًا من كلفة الحرب نفسها.

ثم جاءت الضربة التي قتلت خامنئي لتدفع هذا السؤال إلى مستوى أكثر حدة: هل كان متوقعًا حقًا أن ينتهي المسار إلى ضرب رأس النظام الإيراني نفسه، أم أن منطق "توحيد الساحات" أخفى منذ البداية اختلالًا كبيرًا بين حجم الشعار وحجم القدرة الفعلية على الاحتمال؟ ومن اللافت أن هذا النوع من الاعتراض لم يقتصر حتى على خصوم حماس التقليديين. ففي حزيران (يونيو) 2024، ردت الرئاسة الفلسطينية مباشرة على إشادة خامنئي بهجوم 7 أكتوبر بالقول إن الفلسطينيين لا يحتاجون إلى حروب لا تخدم طموحاتهم في الحرية والاستقلال، وإنهم هم من يدفعون الثمن.

الخلاصة: ما الذي حصدته المنطقة العربية فعلًا؟

لهذا لا تبدو الانتقادات الحالية لحماس مجرد سجال عاطفي عابر أو حملة سياسية ظرفية، بل تعكس تحولًا أعمق في طبيعة السؤال المطروح. فالقضية لم تعد بالنسبة إلى كثيرين مرتبطة فقط بمشروعية المقاومة كشعار عام، بل بمعناها العملي وحدودها حين تغيب الحماية عن المدنيين، ويغيب الأفق السياسي، وتتحول النتيجة من "كسر المعادلة" إلى توسيع دائرة الخراب. ومن هذا المنظور، لا يجري تحميل حماس مسؤولية دمار غزة وحده، بل أيضًا مسؤولية فتح مسار إقليمي انتهى، في نظر منتقديها، إلى تعرية المحور كله وكشف عجزه عن تحمّل حرب متعددة الجبهات.

في المحصلة، يبدو أن السؤال الذي يتردد اليوم في أوساط عربية أوسع لم يعد متعلقًا فقط بما إذا كانت 7 أكتوبر "ضربة جريئة" أو "لحظة تاريخية"، بل بما إذا كانت الخطوة التي سرّعت سقوط السردية التي بُني عليها محور الإسناد. ويحق لنا أن نتساءل اليوم: ما الذي حصدته المنطقة العربية فعلًا؟ وهل كانت الكلفة مفهومة أصلًا حين اتُّخذ القرار؟ بالنسبة إلى شريحة متزايدة من المنتقدين، لم يعد الجواب يُقاس بتبريرات الأثر الرجعي، بل بالمآل: غزة مدمرة، الحلفاء مستنزفون، وإيران نفسها تلقت الضربة الأشد، ومعها سقطت أوهام كثيرة كانت تُقدَّم بوصفها توازنًا استراتيجيًا راسخًا في نظر كثيرين.