في اللحظة التي كانت فيها أسراب الطائرات الأمريكية تخرق ركود الجبهات فوق مياه الخليج والمحيط الهندي، وتنتظر إشارة التنفيذ النهائية، خرجت التغريدة من مارالاغو لتعيد ضبط عقارب الساعة. دونالد ترمب، الرئيس الذي يتقن المشي على الحبل المشدود، منح إيران فرصة ثانية تحت مسمى تمديد وقف إطلاق النار. لكن خلف الكلمات المنمقة عن الوساطة الباكستانية وانقسام القيادة الإيرانية، يكمن سؤال جوهري يحبس أنفاس العواصم من واشنطن إلى بكين: ماذا بعد هذا التمديد؟ وهل نحن أمام تسوية تاريخية أم مجرد هدوء يسبق العاصفة الكبرى؟
دبلوماسية الخناق
لا يمكن قراءة التمديد الثاني للهدنة بعيداً عن المشهد الميداني. فما تشهده المنطقة اليوم هو عملية حصار الحصار، حيث لم تكتفِ واشنطن بالعقوبات الاقتصادية، بل أطبقت الخناق العسكري المباشر على الرئة البحرية لإيران، محولة معادلة مضيق هرمز لصالحها. فبينما كانت طهران تهدد بإغلاق المضيق كورقة ضغط، جعلت الولايات المتحدة منه طريقاً ذا اتجاه واحد يمر منه الجميع باستثناء طهران. والسيطرة على السفينة الإيرانية الثانية خلال 24 ساعة جاءت كرسالة مشفرة تؤكد أن ترمب يطبق حرفياً إستراتيجيته المفضلة: التفاوض تحت النار. هذا الضغط جعل القيادة الإيرانية المنقسمة تجد نفسها أمام خيارين: إما القبول بإسلام آباد 2 كطوق نجاة سياسي أخير، أو المضي نحو انتحار عسكري في مواجهة آلة حرب لا تنتظر سوى إشارة الانطلاق.
وساطة الجنرال والسياسي.. الدور الباكستاني
دخول المشير عاصم منير ورئيس الوزراء شهباز شريف على الخط يؤكد أننا أمام نسخة من إسلام آباد 2 تجري فوق صفيح ساخن. فباكستان التي تدرك أن الحريق إذا نشب سيأكل الجميع، قدمت طوق نجاة دبلوماسياً للطرفين. فالرئيس الأمريكي يريد صفقة القرن بنسخة إيرانية، لا يريد حرب استنزاف، لكنه يريد نصراً يبدو كالهزيمة للطرف الآخر.
الأوراق المبعثرة على طاولة إسلام آباد
المفاوضات المرتقبة في إسلام آباد لن تكون نزهة، فالفجوة بين الطرفين تحولت إلى صراع وجودي على النفوذ. واشنطن تطلب المستحيل في نظر طهران: تفكيك كامل للبرنامج النووي، قص أجنحة الصواريخ الباليستية، فك الارتباط بالحلفاء الإقليميين. في المقابل، تطالب طهران بـ120 مليار دولار من أموالها المجمدة ورفع العقوبات، فهي تدرك أن التنازل عن حق التخصيب يعني تجريد النظام من درعه الأخير. المقترحات الوسطية مثل مقايضة اليورانيوم أو نقله للخارج تبدو كمسكنات لأزمة تتطلب جراحة استئصالية.
تصدع القيادة.. الرهان الرابح لترمب
اللافت في خطاب ترمب هو تركيزه على انقسام القيادة الإيرانية. هذه الإشارة ليست عبثية، فهي تهدف إلى هز الثقة داخل المطبخ السياسي الإيراني. الحرس الثوري الذي يرى في الحصار البحري إهانة لسيادته، قد لا يصبر طويلاً على دبلوماسية التريث التي ينتهجها الجناح السياسي. وهذا التصدع هو ما يراهن عليه البيت الأبيض، فإما أن يسقط النظام من الداخل تحت وطأة الضغط الاقتصادي، أو يضطر لتقديم تنازلات كانت محرمة في السابق.
المسار القادم.. هدنة أم فخ؟
إن التمديد الثاني لوقف إطلاق النار ليس نهاية المطاف. فنحن نعيش في الزمن الضائع، حيث تستغل واشنطن الهدوء لتعزيز حصار الحصار، وتستغل طهران الوقت لمحاولة فك العزلة الدولية. وفي هذا الإطار تتأرجح السيناريوهات القادمة بين مسارين:
- الأول: نجاح ضغوط الحصار الهادئ في دفع طهران نحو اتفاق إطار شامل، يمنح ترمب انتصاراً سياسياً دون إطلاق رصاصة واحدة.
- الثاني: انفجار المفاوضات نتيجة التشدد وعودة لغة الصواريخ إلى الواجهة، خصوصاً مع بقاء الحرس الثوري على أهبة الاستعداد لقلب الطاولة في اللحظة التي يشعر فيها أن الخناق وصل إلى العظم.
لقد وضع ترمب إيران في صندوق دبلوماسي محكم الإغلاق، مفتاحه في واشنطن وتكاليف بقائه داخل الصندوق باهظة جداً. فمن المقرر في الأسابيع القادمة أن يحدد مستقبل البرنامج النووي وأن ترسم خارطة القوى في الشرق الأوسط للعقد القادم. فهل ستمتلك طهران الشجاعة لتقديم المقترح الموحد الذي طلبه ترمب، أم أن الانقسامات الداخلية ستجعل من المواجهة العسكرية قدراً لا مفر منه؟



