لبنان بين اجتياحين: هشاشة تاريخية واستقطاب إقليمي يهدد مستقبله
لبنان بين اجتياح 1982 و2026: هشاشة واستقطاب إقليمي

لبنان في مواجهة التاريخ: من اجتياح 1982 إلى تهديدات 2026

في ظل مشهد إقليمي متوتر، يبرز لبنان كحالة دراسية للهشاشة السياسية والاستقطابات العميقة التي تعصف بمنطقتنا. يشير الكاتب إياد أبو شقرا في تحليله إلى أن معظم الخطاب الحالي حول نزع فتيل الأزمات في الشرق الأوسط يعتمد على التمنيات والتضليل، بدلاً من المعطيات الواقعية والالتزامات الجدية. هذا الوضع يثير تساؤلات حول إمكانية تحقيق تسوية سلمية حقيقية في ظل غياب الثقة المتراكمة منذ عقود.

غياب القواسم المشتركة وتراكم انعدام الثقة

من الواضح أن قلة من اللاعبين الإقليميين والدوليين ترفض فكرة التسوية السلمية، مع تركيز خاص على متطرفي اليمين التوراتي التلمودي في إسرائيل وحلفائهم. ومع ذلك، فإن غياب القواسم السياسية المشتركة يحول دون تفعيل مقاربات عملية للخروج من عنق الزجاجة الحالي. هذا الوضع يتفاقم بسبب حالات انعدام الثقة والصدقية التي تراكمت على مر السنين، مما يجعل الحلول تبدو بعيدة المنال.

في خضم هذا، تستمر المعاناة الإنسانية في فلسطين ولبنان ومناطق أخرى، حيث يهدد حلم "إسرائيل الكبرى" بحصد المزيد من الأرواح وتهجير السكان. مجزرة "الأربعاء الأسود" في لبنان تبقى أحد أكثر الفصول إيلاماً في هذا الصراع، وقد تساهم قسوتها في تسريع الاتجاه نحو خيار التفاوض، الذي قد يؤدي إلى حقن الدماء ومساعدة بعض الأطراف على النزول عن مواقفها المتصلبة.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تفاوت في القوة وميل نحو الحسم العسكري

لا خلاف على وجود تفاوت كبير في القوة التدميرية بين اللاعبين المعنيين، وكذلك في صلابة تحالفاتهم مع داعميهم. هذا التفاوت يغذي ميلاً قوياً لدى من يأنس في نفسه القوة نحو "الحسم العسكري"، مستغلاً الفرصة الحالية لتحقيق أحلام هيمنة قديمة. القيادة الإسرائيلية الحالية تقف في طليعة الساعين لرفع سقف المطالب التعجيزية وإعاقة آليات الوساطة، مع استعداد للانقلاب على أي نتائج تفاوضية.

من جهة أخرى، ترى إيران أنها لم تعد تملك ما تخسره بعد حرب الإسقاط التي تشنها واشنطن وتل أبيب، مما دفعها إلى تغيير شروط اللعبة عبر خطوات عسكرية واقتصادية مثل استهداف قواعد الخليج وإغلاق مضيق هرمز. هذه التحركات تزيد من حدة الاستقطاب وتجعل الوساطة الدولية صعبة، كما يظهر في الوضع الراهن في لبنان، حيث يعاني البلاد من انقسامات داخلية عميقة.

هشاشة لبنان التاريخية وغياب الإجماع

يعود تأسيس لبنان عام 1920 إلى حقبة غيّرت فيها الحرب العالمية الأولى خرائط المنطقة، مما أدى إلى حروب وفتن إقليمية. هذا التأسيس، الذي وسع "متصرفية جبل لبنان" ذات الكثافة المسيحية ليشمل مناطق مسلمة، خلقت تاريخاً من الهشاشة وضعف التوافق. في عام 1982، اجتاحت إسرائيل لبنان بهدف تصفية المقاومة الفلسطينية، بينما اليوم يُجتاح البلاد تحت ذريعة ضرب "حزب الله".

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

المأساة تكمن في أن بعض اللبنانيين لم يعارضوا اجتياح 1982، بل حاولوا تبريره بإنهاء الهيمنة الفلسطينية، واليوم يفتقرون إلى إجماع لرفض الاجتياح الحالي الذي يُبرر بإنقاذ البلاد من الهيمنة الإيرانية. هذا الغياب للمعارضة أو الإجماع لا يحصن الكيان اللبناني الصغير، بل يجعله أول الخاسرين في صراعات إقليمية لا نهاية لها.

في النهاية، يبقى لبنان مثالاً صارخاً على كيف يمكن للاستقطابات الإقليمية والهشاشة الداخلية أن تهدد وجود دولة، مما يتطلب جهوداً جادة لإعادة بناء الثقة وخلق مسارات حوار حقيقية.