التشويش على نظام تحديد المواقع: معركة خفية تهدد الملاحة في الشرق الأوسط
التشويش على GPS: معركة خفية تهدد الملاحة في الشرق الأوسط (11.03.2026)

التشويش على نظام تحديد المواقع: معركة خفية تهدد الملاحة في الشرق الأوسط

لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الرصاص والقنابل التقليدية، بل دخلت إليما الموجات الكهرومغناطيسية كسلاح خفي، حيث يؤدي التشويش على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS) إلى اضطرابات خطيرة تعطل الاتصالات وتهدد سلامة الملاحة البحرية والجوية. في مضيق هرمز، تظهر على الخرائط تجمعات غريبة لمئات السفن تبدو في غير مواقعها الصحيحة، مما يثير تساؤلات حول الأسباب الكامنة وراء هذه الظاهرة الخطيرة.

ظاهرة التشويش في مضيق هرمز: دوائر غامضة وسفن فوق اليابسة

تقول ميشيل فيزي بوكمان، كبيرة محللي الاستخبارات البحرية في شركة "ويندوارد" المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي البحري، أثناء تفحصها لمواقع السفن التجارية قبالة سواحل إيران والإمارات وقطر: "يا إلهي، أحصيت حتى الآن 35 مجموعة مختلفة". هذه المجموعات تظهر كدوائر غير مألوفة على الخرائط، حيث تتراكم أيقونات السفن في أشكال ضيقة محكمة، بل وتظهر بعض السفن فوق اليابسة، وهو أمر غير طبيعي. التفسير الأرجح هو تعرض إحداثيات نظام تحديد المواقع العالمي للتشويش أو التلاعب، مما يؤدي إلى إخفاء المواقع الحقيقية لهذه السفن وتعريضها لخطر التصادم.

تداعيات الحرب الإلكترونية: من أوروبا إلى الشرق الأوسط

خلال السنوات الأخيرة، انتشرت عمليات التشويش على نظام تحديد المواقع في مناطق مختلفة، حيث تأثرت طائرات في أوروبا، بما في ذلك طائرة كانت تقل رئيس المفوضية الأوروبية، وأصبح التشويش سمة شبه يومية في الحرب في أوكرانيا. مع اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، امتدت تداعيات الحرب الإلكترونية إلى مساحات جغرافية أوسع، خاصة في مضيق هرمز، حيث يؤثر التداخل حالياً في أنظمة التعريف الآلي للسفن (AIS). تؤكد بوكمان أن ما نشهده الآن يمثل مستوى جديداً تماماً من الخطر على سلامة الملاحة البحرية، وقد أصدر المكتب الوطني للهيدروغرافيا في باكستان تحذيراً من وجود تشويش يؤثر في حركة الشحن في المنطقة.

الخطر على السلامة البحرية: خطر التصادم وعدم الوضوح

تعتمد السفن على نظام التعريف الآلي جزئياً لتجنب الاصطدام ببعضها بعضاً، حيث تحتاج ناقلات النفط العملاقة، التي يبلغ طولها نحو 300 متر وتحمل مئات آلاف الأطنان من النفط، إلى وقت طويل لتغيير اتجاهها أو التوقف. عندما لا يكون موقع السفن القريبة واضحاً بدقة، يرتفع خطر التصادم، خصوصاً ليلاً أو في ظروف الرؤية المحدودة. يقول آلان وودوارد من جامعة ساري: "تكمن المشكلة الحقيقية ليس في معرفة وجهتك، بل في عدم معرفتك إلى أين يتجه الآخرون".

المسؤولية المحتملة: إيران وتقنيات التشويش المتقدمة

لا يوجد حتى الآن أي تأكيد رسمي بشأن الجهة المسؤولة عن عمليات التشويش، لكن محللين عسكريين يرجحون بقوة أن إيران تقف وراء تعطيل أنظمة السفن، خاصة وأنها هددت سابقاً بمهاجمة أي سفينة تحاول عبور مضيق هرمز. يرى توماس ويثينغتون، زميل مشارك في المعهد الملكي للخدمات المتحدة، أن أدوات التشويش على أنظمة الملاحة عبر الأقمار الصناعية التي تستخدمها إيران يُحتمل أن تكون مصنعة محلياً أو مطورة باستخدام معدات من روسيا أو الصين. كما تشير التقارير إلى أن القوات الأمريكية في المنطقة تستخدم أنظمة تشويش لحماية قواعدها من الطائرات المسيرة والأسلحة الموجهة.

تحليل البيانات والتقنيات المضادة: جهود للكشف والحماية

يُعد شون غورمان، أحد المؤسسين المشاركين لشركة "Zephr.xyz" للتكنولوجيا، من الذين اضطلعوا بتحليل انتشار عمليات التشويش في دول مثل أوكرانيا. باستخدام بيانات رادار من الأقمار الصناعية، تمكن غورمان من تحديد مواقع وقوع عمليات التشويش في إيران، حيث تترك أجهزة التشويش أثراً في إشارات الرادار نتيجة التداخل. من جهة أخرى، تطور شركات مثل "رايثيون يوم كيه" أجهزة مضادة للتشويش، مثل نظام "لاندشيلد"، الذي يمكن تركيبه على مركبات مختلفة لمواجهة هذه التهديدات.

بدائل نظام تحديد المواقع: تقنيات جديدة لتعزيز الأمان

طوّرت شركات أخرى، مثل "أدفانسيد نيفيجيشن" الأسترالية، أنظمة ملاحة تعالج نقاط الضعف في نظام تحديد المواقع العالمي، حيث تعتمد على قراءات الجيروسكوبات ومقاييس التسارع لتحديد موقع المركبة. كما يمكن استخدام بدائل مثل مطابقة الصور البصرية مع صور الأقمار الصناعية أو تحليل مواقع النجوم، رغم أن هذه التقنيات قد لا تكون دقيقة للغاية. يقول كريس شو، المؤسس المشارك للشركة: "تقنيات معالجة الصور متقدمة للغاية، لكن الاعتماد على عدة وسائل مختلفة قد يكون ضرورياً لتحليل الموقع بدقة".

المستقبل والتوقعات: نحو أنظمة أكثر أماناً

بدون تعزيز وسائل الحماية، سيظل نظام تحديد المواقع العالمي عرضة للتشويش بسبب ضعف إشاراته. تمتلك القوات العسكرية نسخة متقدمة ومشفرة من النظام تُعرف باسم "إم-كود جي بي إس"، التي تتمتع بحماية كبيرة ضد التشويش. يتوقع رامزي فاراغر، مدير المعهد الملكي للملاحة، أن يؤدي الانتشار المتزايد لعمليات التشويش إلى تطوير واعتماد بدائل أكثر أمناً، مشبهاً هذا التطور بما حدث مع شبكات الواي فاي، التي تحولت من أنظمة مفتوحة إلى شبكات محمية بكلمات مرور. ويقول: "قريباً سننظر إلى هذه المرحلة التي نعتمد فيها على إشارات الملاحة المفتوحة عبر الأقمار الصناعية، وسنقول: يا إلهي، لقد كنا متهورين، لم يكن ذلك خياراً ذكياً".