اللقاءات الفضائية في رمضان: بين ازدحام الساحات وأزمة الجودة
تكتظ ساحات القنوات الفضائية وبرامج البودكاست بعشرات اللقاءات المختلفة خلال شهر رمضان المبارك، حيث ترتفع وتيرة المتابعة بشكل ملحوظ وفقاً لعدة مؤشرات تعتمد أساساً على شهرة البرنامج نفسه، وصيت المذيع المقدم، ومحتوى الحلقة المعروضة. هذا الازدحام الإعلامي أوجد مفارقات واضحة في معايير المتابعة، وفروقات كبيرة في مقاييس الرضا لدى الجمهور، مما يشير إلى تحولات عميقة في المشهد الإعلامي الحالي.
التكرار البائس وأزمة الإفلاس الإعلامي
يظهر خلل أزلي في معظم هذه اللقاءات، يتمثل في تكرار بائس لظهور العديد من الضيوف، حيث باتت بعض القصص والحكايات مرتبطة بشكل وثيق باسم الضيف ومقترنة بظهوره المتكرر. هذا الأمر أدى إلى نشوء فجوة إعلامية تؤكد وجود بوادر إفلاس واضحة لعدد من البرامج، مما ينبئ بابتعاد الضوء عن المساحة الدارجة، مع وجود عتمة جلية تدل على تراجع جودة المحتوى وضعف المخرجات الإعلامية.
كما يلاحظ ابتعاد فرق الإعداد والمذيعين عن عنصر الجذب المتوقع، الذي يمثل الخط الرئيسي لتشويق المشاهدين واستمالة ذوق المتابع. فالإحترافية تظل مطلباً ملحاً يقتضي التطوير المستمر ويتطلب الابتكار والتفكير خارج صندوق الاعتياد، لذا سقطت بعض البرامج في فخ التكرار الممل، ودخلت في متاهة أدت إلى إسقاط جزء من جسور المتابعة بالتدريج.
ساحات مفتوحة بين الغث والسمين
وسط هذه الساحات المفتوحة، تضم السياقات الإعلامية الغث أكثر من السمين، خصوصاً في ظل الانتشار الكبير لبرامج البودكاست، التي يشبه بعضها مسرحيات الأعياد التقليدية، بينما تقترب أخرى من سواليف الاستراحات العابرة. وفق تحليل نفسي لشخصيات بعض الضيوف، الذين دخل بعضهم في حيز النسيان، فقد أسقطوا بعض القصص المروية من طرف واحد على أموات رحلوا إلى دار الحق، بطريقة استفزازية وبهيئة نرجسية.
هذا السلوك أثبت وجود مواقف ذاتية أو أزمات خاصة لدى بعض المشاركين، أو استخدام للحيل الدفاعية مثل التبرير والإسقاط والإعلاء، للخروج من دوامة شخصية أو من أجل إثارة الرأي العام، أو بدافع الشهرة على حساب الضمير الإنساني.
المفاجآت والاتفاقات المسبقة في اللقاءات الحية
من المعروف والشائع في الحوارات ذات الظهور المباشر أن هناك اتفاق مسبق على محاور الأسئلة ما بين المذيع والضيف، ولكن تظهر خفايا للعلن في اللقاء الحي، تعتمد على عنصر المفاجأة. فقد يطرح المذيع سؤالاً ماكراً خارج عن المتفق عليه، لإحراج الشخصية التي قد لا تحتاط لمثل هذه الصدمات أمام محاورين مشهود لهم بالفطنة والحنكة، رغماً عن الاتفاق الثنائي المسبق.
كما يلجأ بعض الضيوف للبحث عن مساحة مفتوحة للحديث عن النفس وتلميع الذات، حتى وإن كان ذلك على حساب ذمم الآخرين أو التقليل من شأن المتوفين أو اختراع القصص وتمرير السوء.
المفارقات في الذاكرة الإعلامية
سجلت صفحات الذاكرة الإعلامية مفارقات عديدة عن حوارات ترسخت في الوجدان وتربعت في أفق الاستذكار، كانت فيها الأخطاء واضحة والذاتية مسيطرة في ظهور كل من المذيع والضيف. خصوصاً إذا دخل مد الهجوم وقابله صد الدفاع، مما يؤكد أن السلوك يتباين ما بين شخصية وأخرى.
فهنالك من تمرس على إدارة الحوار والقدرة على السيطرة، مما يجعل ضيفه صيداً سهلاً لتلقي الصدمات بالصمت أو الانهزام، فيما يمتلك بعض الضيوف شخصية صامدة صادمة، قادرة على إعادة الأسهم باتجاه عكسي أو تحويلها نحو الفراغ، الذي يظل المشاهد فيه حائراً ما بين سطوة المهاجم وحظوة المدافع.
نحو احترافية أكبر في اللقاءات الفضائية
اللقاءات الفضائية تمثل فناً إعلامياً رفيعاً، وعلى القنوات الاحترافية أن تحلل محتواها بدقة، وأن ترى السلبيات بعين محايدة، وأن تضع مؤشرات الردود تحت مجهر الموضوعية. كما يجب أن تكون لديها مقارنة عادلة ما بين التوقع والواقع، وعليها أن تنتقي ضيوفها بعناية تامة، وأن تحمي حدودها من تطفل عابر أو تجني مبرمج قد يظهر على الهواء وفق الأهواء الشخصية.
ويرى الخبراء أن يكون لدى البرامج مستقبلاً خطوط اتصال ممنوحة ومفتوحة مباشرة للمضطرين للرد على الاتهامات والظنون، خصوصاً في حق الراحلين الذين انتقلوا إلى ذمة الله، ويبقى لأسرهم الحق في الدفاع المباشر. وإن كانت القناة غير قادرة على ذلك، فعليها الاعتذار وتبيان الحقيقة من أفواه العاقلين، وهذا أقل واجب تقدمه الوسيلة الإعلامية لإظهار الحق ووقف الباطل، وفق أصول العدل وفصول الإنصاف.
