رمضان والشاشة الصغيرة: كيف تحول الشهر الروحاني إلى موسم درامي ذهبي؟
في كل عام مع اقتراب شهر رمضان المبارك، يتجدد سؤالٌ كبير يتردد في الأوساط الثقافية والإعلامية: لماذا أصبح هذا الشهر تحديدًا، رغم طابعه الروحاني وضيق وقته بين الصيام والعبادات والالتزامات الأسرية، موسمًا رئيسًا للأعمال الدرامية التلفزيونية؟ وكيف تحول إلى ذروة الإنتاج التلفزيوني، حتى باتت شركات الإنتاج والقنوات تخطط لعامٍ كامل من أجل سباقٍ يمتد ثلاثين يومًا فقط؟!
من الحكواتي التقليدي إلى الشاشة الحديثة
لفهم هذه الظاهرة الفريدة، يجب النظر إليها في سياقها التاريخي والاجتماعي العميق، لا بوصفها مفارقةً بين الدين والفن، بل امتدادًا طبيعيًا لعادات رمضانية قديمة راسخة. فشهر رمضان، وعبر تاريخ طويل جدًا، ظل شهر السهر بامتياز، حيث تتشكل مساحة زمنية ليلية ممتدة بعد الإفطار وصلاة التراويح، يتجمع فيها الناس في البيوت أو الساحات العامة أو المقاهي.
في كل هذه الأماكن، ازدهرت تقاليد الحكواتي في عدد من البلدان العربية عبر القرون؛ حيث كانت تُروى القصص الشعبية والسير التاريخية وحكايات «ألف ليلة وليلة» الشهيرة، حتى باتت الحكاية جزءًا أساسيًا من طقس اجتماعي رمضاني أصيل، يوازن ببراعة بين العبادة والترفيه المباح.
الثورة التلفزيونية وتحول المشاهدة
وحين دخل التلفزيون البيوت العربية في منتصف القرن العشرين، لم يلغِ هذا التقليد العريق بقدر ما أعاد تشكيله بصورة حديثة، حيث تحولت الحكاية من مجلسٍ محدود إلى شاشة تصل إلى ملايين المشاهدين في وقت واحد. ومع توسع البث الفضائي وانتشار القنوات المتخصصة، أدركت المؤسسات الإعلامية أن رمضان يضمن أعلى نسب مشاهدة في العام على الإطلاق.
فالناس تجتمع يوميًا في توقيت متقارب بعد الإفطار، وتزداد فترات بقائهم في المنزل بشكل ملحوظ، ما يجعل متابعة مسلسل يومي عادةً شبه جماعية تتشاركها الأسر والجيران. وهكذا نشأ ما يمكن تسميته «الموسم الرمضاني» بوصفه ظاهرة إعلامية واقتصادية في آن واحد، تجمع بين العرف الاجتماعي والمنطق التسويقي.
المنطق الاقتصادي وراء الازدحام الدرامي
من الناحية الإنتاجية البحتة، يوفّر هذا التركيز الزمني الفريد ميزة تسويقية واضحة وقوية:
- أسعار الإعلان في رمضان ترتفع بشكل كبير بسبب كثافة المشاهدة.
- المنافسة تحتدم بين القنوات على العرض الأول للأعمال الجديدة.
- تتحول الأعمال الدرامية إلى موضوع نقاش يومي في المجالس العائلية ووسائل التواصل الاجتماعي.
هذا الزخم الهائل يخلق دورة اقتصادية كاملة ومتكاملة: كتابة النصوص، التصوير، التسويق، الحملات الإعلانية، كلها موجهة إلى هذا الشهر تحديدًا بوصفه النافذة الذهبية للوصول إلى الجمهور. لذلك يمكن القول إن ازدحام الدراما في رمضان ليس قرارًا فنيًا فقط، بل هو نتيجة منطق السوق واستراتيجيات المشاهدة الجماعية التي يفرضها الشهر الكريم.
محاولات التوفيق بين الروحانية ومتطلبات السوق
في المقابل، تحاول كثير من القنوات مراعاة حساسية الشهر وطابعه الخاص، فبعض القنوات الغنائية تخفف من حضور الأغاني، أو تعيد برمجة محتواها ليتناسب مع المزاج العام، مستبدلةً جزءًا من الترفيه الغنائي بأعمال درامية أو برامج ذات طابع اجتماعي أو ديني هادف.
حتى الأعمال الدرامية نفسها تميل –نظريًا على الأقل– إلى موضوعات عائلية أو تاريخية أو اجتماعية أكثر قربًا من الجمهور الواسع، وإن ظلّ الجدل قائمًا باستمرار حول حدود الجرأة الفنية ومقدار انسجام بعض الأعمال مع روح الشهر وقيَمه.
التفريق بين الأصل التاريخي وطبيعة المحتوى المعاصر
ومن المهم التمييز هنا بين أصل الفكرة وطبيعة المحتوى المقدم، فوجود الدراما في رمضان ليس ظاهرة طارئة أو مناقضة لتاريخه الاجتماعي؛ فالسهر والحكاية عنصران قديمان في لياليه. أما الإشكال الحقيقي فيتعلق بجودة الطرح الفني ومراعاة الذائقة العامة والخصوصية الزمنية.
فالمجتمع لا ينصرف في رمضان عن الفن بوصفه نشاطًا إنسانيًا أصيلًا، لكنه يتوقع أن يكون هذا الفن أكثر وعيًا بسياق الزمن الذي يُعرض فيه، وأكثر احترامًا للحالة النفسية والروحية للمشاهدين.
المحصلة: معادلة التوازن بين الروحانية والسوق
في المحصلة النهائية، يبدو اختيار رمضان موسمًا للدراما ليس إلا امتدادًا طبيعيًا لعوامل تاريخية واجتماعية واقتصادية متشابكة، فهو الشهر الذي يجتمع فيه الناس يوميًا في وقت واحد تقريبًا، ما يجعله فرصة مثالية لصناعة المحتوى الجماهيري الذي يبحث عنه المنتجون.
وهكذا، بين روحانية الشهر العميقة ومتطلبات السوق التجارية، تستمر هذه المعادلة المعقدة في البحث عن توازنٍ دقيق يرضي الجمهور الواسع، ويحافظ في الوقت نفسه على خصوصية الزمن الرمضاني ومكانته في النفوس. فالشهر الكريم يبقى مساحةً فريدة حيث تلتقي العبادة بالترفيه، والتقليد بالحداثة، في صيغة ثقافية تستحق الدراسة والتفكير.
