تصاعد التوترات عبر الأطلسي: أوروبا ترد بقوة على انتقادات ترمب بشأن حرب إيران
تصاعد التوترات عبر الأطلسي بسبب حرب إيران ورد أوروبا

تصاعد التوترات عبر الأطلسي: أوروبا ترد بقوة على انتقادات ترمب بشأن حرب إيران

بعد أسابيع من تلقي الزعماء الأوروبيين سيلًا متواصلاً من الانتقادات والازدراء والسخرية من الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشأن حرب إيران، بدأت أوروبا في الرد بقوة وحزم، مع بروز الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كأكثر الزعماء وحدة وصراحة في هذا الصدام الحاد. هذا التصعيد يشير إلى ارتفاع مستوى التوترات بين ضفتي المحيط الأطلسي، حيث تظهر أوروبا جرأة غير مسبوقة في التعبير عن رفضها للسياسات الأمريكية.

هجوم ماكرون الصريح على ترمب في كوريا الجنوبية

في تصريحات أدلى بها أمس الخميس خلال زيارته لكوريا الجنوبية، هاجم ماكرون ترمب بشدة ووضوح، متهماً إياه باتباع نهج غير جاد في التعامل مع الحرب الدائرة في إيران. كما وجه انتقادات لاذعة للهجمات الأمريكية غير المفيدة على حلف شمال الأطلسي (الناتو). وقال ماكرون بلهجة حازمة: «عندما نكون جادين، لا نقول عكس ما قلناه في اليوم السابق»، مؤكداً على أهمية الاتساق في السياسات خلال الأزمات الدولية.

وأضاف الرئيس الفرنسي متحدثاً عن تداعيات الحرب: «نحن نتحدث عن حرب حقيقية، ونتحدث اليوم عن رجال ونساء في ساحة القتال، وعن مدنيين أبرياء يُقتلون يومياً. كما نتحدث عن التأثير العميق لهذه الحرب على اقتصاداتنا واستقرارنا العالمي»، مما يعكس القلق الأوروبي المتزايد من العواقب الواسعة للنزاع.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

توسع نطاق الخلافات الأوروبية الأمريكية

بحسب تحليلات صحيفة «نيويورك تايمز»، يُعد هذا العرض الصريح للغضب والاستياء لافتاً للانتباه، خاصة أنه صادر عن زعيم طالما فخر بقدرته على التعامل بلباقة ودبلوماسية مع الرئيس الأمريكي وتقلباته السياسية. لكن هذا الموقف يعكس في الوقت نفسه تصاعد حالة التحدي والاستقلالية داخل أوروبا، التي كانت تحاول سابقاً التوفيق بين تحفظاتها العميقة على الحملة العسكرية وبين رغبتها في عدم استفزاز ترمب أو الدخول في مواجهة مباشرة.

وتتصاعد التوترات بشكل ملحوظ حول استخدام المجال الجوي الأوروبي والقواعد العسكرية، حيث رفضت عدة دول أوروبية بشكل قاطع السماح للطائرات الأمريكية أو الإسرائيلية بالمرور أو الاستخدام في مهمات هجومية ضد إيران. وحتى زعماء الدول الموالية تقليدياً للولايات المتحدة، مثل بريطانيا، بدأوا يتحدثون علناً وبوضوح عن ضرورة أن توفر أوروبا أمنها بنفسها، بعيداً عن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

خلاف حاد حول مضيق هرمز والتحالفات الأمنية

وحتى الجهود الأوروبية السابقة لتشكيل تحالف دولي لحماية ممرات التجارة الحيوية في مضيق هرمز - والتي بدأت في الأصل استجابة لطلب ترمب بمزيد من الدعم الأوروبي - تحولت الآن إلى دليل واضح على أن أوروبا تسير في طريقها الخاص وتحدد أولوياتها بشكل مستقل. فقد رفض الزعماء الأوروبيون، خلال اجتماع هاتفي عقد الخميس ونظمته الحكومة البريطانية، دعوة ترمب للسيطرة العسكرية الكاملة على المضيق الذي أغلقته إيران فعلياً، أو اتخاذ أي إجراء عسكري قبل انتهاء النزاع الدبلوماسي.

وقال ماكرون في هذا السياق: «هذا لم يكن الخيار الذي اخترناه أبداً، ونعتبره غير واقعي تماماً». وأوضح أن السيطرة العسكرية على المضيق ستستغرق وقتاً لا نهائياً، وستعرض السفن التجارية المارة لهجمات إيرانية مباشرة، مما يزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من حلها.

توتر شخصي يضيف مرارة للخلاف السياسي

ورغم كل الإهانات الشخصية التي وجهها ترمب لأوروبا وقادتها، حاول الزعماء الأوروبيون الحفاظ على مستوى من الاحتراف وعدم تحويل الأمر إلى مسألة شخصية بحتة. وحتى رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الذي أبدى أكبر قدر من الانتقاد العلني والصريح للحرب على إيران، نادراً ما يذكر اسم ترمب مباشرة في تصريحاته الرسمية، مفضلاً التركيز على القضايا السياسية والعسكرية.

لكن الخلاف بين ماكرون وترمب بدا أكثر مرارة وحدة لأنه يحمل طابعاً شخصياً واضحاً يتعلق بزوجة الرئيس الفرنسي بريجيت ماكرون. وكان ماكرون يرد جزئياً على تصريحات أدلى بها ترمب خلال غداء عيد الفصح الأربعاء، تضمنت إشارة مهينة ومستفزة إلى حادثة فيديو سابقة تظهر فيها بريجيت ماكرون وهي تدفع زوجها خلال مناسبة عامة.

وقال ماكرون، وقد بدا غاضباً بوضوح أمام الصحفيين في العاصمة الكورية الجنوبية سول: «هذه التصريحات لم تكن أنيقة ولا تليق بمستوى رئيس دولة، لذلك لن أرد عليها فهي لا تستحق الرد من الأساس». بهذا التعليق الحكيم، التزم ماكرون بسياسة «الخد الآخر» التي اتبعها زعماء أوروبيون آخرون، مثل رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي يتجاهل بهدوء وصبر سخرية ترمب المتكررة منه بأنه «ليس ونستون تشرشل».

انتقادات حادة لقيادة ترمب وإدارة الناتو

لكن ذلك لم يمنع ماكرون من توجيه انتقادات حادة وجوهرية لقيادة ترمب في الحرب ولطريقته في التعامل مع حلف الناتو. وتجاهل ماكرون تماماً التهديد الأخير لترمب بتنفيذ ضربات جوية مدمرة وشاملة ضد إيران، الذي أطلقه في خطاب تلفزيوني مسائي الأربعاء. وقال ماكرون: «لست هنا للتعليق على عملية عسكرية قررها الأمريكيون مع الإسرائيليين بمفردهم، يمكنهم لاحقاً الشكوى من عدم تلقي الدعم في عملية قرروها لوحدهم، إنها ليست عمليتنا ولا نشارك في قرارها».

لكنه أبدى رأيه الصريح في الهجمات المتزايدة لترمب على الناتو، والتي اتهم فيها الحلف بعدم مساعدة الولايات المتحدة بشكل كاف، وهدد بالانسحاب منه بشكل متكرر. وقال ماكرون إن هذه الانتقادات المستمرة تضعف الحلف وتقوض ثقة الأعضاء: «إذا أثير الشك يومياً حول التزامك بالتحالف، فإنك تفرغه من محتواه الحقيقي وتقضي على روح التعاون المشترك».

مخاوف متزايدة على مستقبل الناتو والتحالفات الدولية

وبدأ مسؤولون أوروبيون آخرون يتحدثون علناً عن التأثير التراكمي الخطير لانتقادات ترمب المتكررة والمستفزة للناتو. وقال المتحدث الرسمي باسم المستشار الألماني فريدريش ميرتس: «هذه ليست المرة الأولى التي يفعل فيها الرئيس الأمريكي ذلك، وبما أنها ظاهرة متكررة ومستمرة، يمكنكم تقييم العواقب والتداعيات بأنفسكم على المدى الطويل».

وتُعد علاقة ماكرون بترمب من أكثر العلاقات كثافة وتعقيداً بين زعيم أوروبي والرئيس الأمريكي، خصوصاً أن ماكرون يتعامل معه للمرة الثانية بعد تسع سنوات كاملة في السلطة. بدأت العلاقة بمصافحة طويلة شهيرة عام 2017، ثم توثقت خلال عرض عسكري مهيب في يوم الباستيل بباريس، لكنها تدهورت لاحقاً بسبب الخلافات حول الرسوم الجمركية والسياسات التجارية.

تحول تاريخي في العلاقات عبر الأطلسي

خلال الولاية الثانية لترمب، ساءت العلاقة مرة أخرى بعد الضربة الإسرائيلية على إيران عام 2025، حيث اتهم ترمب ماكرون بأنه «دائماً يخطئ ويتخذ قرارات خاطئة». وفي يناير الماضي، نشر ترمب لقطات شاشة لرسائل خاصة من ماكرون، مما أثار أزمة ثقة جديدة. ثم بدا أن هناك انفراجاً مؤقتاً في منتصف مارس، عندما وصف ترمب ماكرون بأنه «8 من 10» في تصنيف غامض.

لكن رفض فرنسا المشاركة بشكل أعمق وأوسع في الحرب الإيرانية أعاد توتر العلاقة إلى الواجهة، ووصل إلى أدنى مستوى جديد مع سخرية ترمب المهينة من حادثة زوجة ماكرون، التي نفى الرئيس الفرنسي أن تكون خلافاً أو مشكلة حقيقية. وتشير هذه التطورات المتسارعة إلى مرحلة جديدة وخطيرة من التوتر في العلاقات بين الولايات المتحدة وأوروبا، حيث باتت الدول الأوروبية أكثر جرأة ووضوحاً في التعبير عن رفضها للسياسات الأمريكية الأحادية، مع سعي متزايد وجاد لبناء نهج مستقل في الأمن والدفاع.

ويرى مراقبون وخبراء علاقات دولية أن استمرار هذا التباعد والخلاف قد يعيد تشكيل التحالفات الدولية التقليدية، خصوصاً إذا استمرت الحرب في إيران وتصاعدت تداعياتها السياسية والاقتصادية على المستوى العالمي. فالعالم يشهد تحولاً تاريخياً في موازين القوى والتحالفات، مع بروز أوروبا كفاعل مستقل يبحث عن مصالحه الخاصة بعيداً عن الهيمنة الأمريكية التقليدية.