تأثير الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران على تركيا: تحليل شامل
في خضم الحرب التي اندلعت في 28 فبراير/شباط 2026 بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، والتي شهدت ضربات انتقامية إيرانية استهدفت قواعد عسكرية وبنى تحتية مدنية في عدة دول بالمنطقة، بقيت تركيا من بين الدول القليلة التي لم تتعرض لهجمات مباشرة. يتساءل العديد من الخبراء عن أسباب هذا الوضع وكيف ستتأثر تركيا بهذا النزاع المتصاعد.
عوامل الحماية: عضوية الناتو والعلاقات الثنائية
يرى خبراء تحدثوا إلى بي بي سي نيوز تركي أن استضافة تركيا لقوات أمريكية لم تجعلها هدفاً للهجمات الإيرانية، وذلك نظراً لعضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو). يؤكد سنان أولغن، رئيس مركز دراسات الاقتصاد والسياسة الخارجية (EDAM)، أن أي هجوم على تركيا سيقع ضمن إطار المادة الخامسة من ميثاق الناتو، مما يعني أن استهدافها سيعتبر اعتداءً على جميع دول الحلف. ويضيف أولغن أن إيران ستتجنب توسيع النزاع عبر استهداف القواعد الأمريكية في تركيا، مشيراً إلى أن طهران لن ترغب في فتح جبهة إضافية في محيطها المباشر.
من جانبه، يرى الباحث أورال توغا من مركز الدراسات الإيرانية (İRAM) أن احتمال إدراج أهداف داخل تركيا ضمن الضربات الانتقامية الإيرانية يبقى ضعيفاً. ويشير توغا إلى أن تركيا وإيران تربطهما مجالات من الاعتماد المتبادل، مع حدود مشتركة بطول 534 كيلومتراً، مما يقلل من احتمالية التصعيد. كما يؤكد أن الإيرانيين يسعون إلى تعزيز التعاون الاستراتيجي مع تركيا، خاصة بعد وفاة الرئيس السابق إبراهيم رئيسي.
القواعد العسكرية والموقف التركي
أكدت تركيا أن مجالها الجوي والقواعد الواقعة على أراضيها، والتي تستضيف قوات أمريكية، لم تستخدم في الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على إيران. جاء في بيان صادر عن مركز مكافحة التضليل الإعلامي التابع للرئاسة التركية أن أنقرة لا تسمح باستخدام مجالها الجوي أو أصولها ذات الصلة لأغراض عملياتية في أي نزاع ليست طرفاً فيه.
تعد قاعدتا إنجرليك وكورجيك الرادارية أبرز المنشآت العسكرية المرتبطة بالوجود الأمريكي في تركيا. وتؤكد وزارة الدفاع التركية أن هذه القواعد تخضع لقيادة القوات المسلحة التركية، وأن ملكيتها تعود إلى جمهورية تركيا. وقد نفى المركز التركي المزاعم بشأن تعرض قاعدة إنجرليك لضربة، مؤكداً أن تركيا ليست طرفاً في النزاعات الإقليمية.
التداعيات المحتملة: تدفق اللاجئين والإجراءات الحدودية
من بين التداعيات المحتملة للحرب على تركيا، احتمال تدفق لاجئين باتجاه حدودها مع إيران. أعلنت أنقرة وطهران في 2 مارس/آذار تعليق حركة عبور الركاب عبر الحدود بشكل متبادل، مع السماح بعودة المواطنين والإبقاء على الأبواب مفتوحة أمام رعايا دول ثالثة.
يرى سنان أولغن أن أسوأ سيناريو بالنسبة لتركيا يتمثل في انفلات الاستقرار داخل إيران، مما قد يؤدي إلى حركة نزوح واسعة نحو الحدود التركية، مشيراً إلى أن تشديد الإجراءات على الحدود يعتبر خطوة تحسبية لهذا الاحتمال. في المقابل، يرى أورال توغا أن المسألة لا تزال بعيدة جداً عن أن تكون أزمة هجرة جماعية، مضيفاً أن حدوث ذلك يتطلب اندلاع حرب أهلية، وهو ما لا تتوافر مؤشراته حالياً.
الموقف الدبلوماسي التركي
وجهت أنقرة انتقادات للهجمات الأمريكية والإسرائيلية، وكذلك للرد الإيراني. قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن بلاده ستكثف تحركاتها الدبلوماسية، محذراً من أن منطقتها تواجه خطر الانجرار إلى حلقة من النار إذا لم يسد التعقل والحكمة. يعكس هذا الموقف رغبة تركيا في لعب دور وسيط وتجنب التصعيد في منطقة تشهد توترات متزايدة.
في الختام، تشير التحليلات إلى أن تركيا قد تتجنب الهجمات المباشرة بسبب عضوية الناتو والعلاقات الثنائية مع إيران، لكنها تواجه تحديات محتملة مثل تدفق اللاجئين. يبقى الموقف الدبلوماسي التركي حاسماً في إدارة هذه الأزمة المعقدة، مع ضرورة مراقبة التطورات المستقبلية في هذا النزاع الإقليمي المتصاعد.
