تحول الهند التاريخي: زيارة مودي للكنيست تنهي حقبة عدم الانحياز
تحول الهند التاريخي: زيارة مودي للكنيست

تحول تاريخي في العلاقات الدولية: الهند تزور الكنيست الإسرائيلي

شهد العالم أمس حدثاً تاريخياً غير مسبوق، حيث وقف رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يخاطب أعضاء الكنيست الإسرائيلي في القدس، بحضور رئيس الدولة ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مع تغييب ملحوظ لنواب المعارضة. هذا المشهد الذي كان يُعتبر مستحيلاً طوال عقود، يمثل تحولاً جذرياً في الخريطة السياسية الدولية، حيث تنتقل الهند من موقعها التقليدي كداعم رئيسي لقضايا العالم الثالث، وخصوصاً القضية الفلسطينية، إلى علاقة استراتيجية وثيقة مع إسرائيل.

صمت عربي وغفلة إعلامية

على الرغم من الأهمية التاريخية للحدث، إلا أنه حظي بتغطية إعلامية عربية محدودة للغاية، حيث اقتصرت معظم التقارير على أسطر قليلة فقط. يعزو مراقبون هذا التغاضي إلى عاملين رئيسيين: الغفلة المعتادة تجاه التطورات السياسية البعيدة، وضجيج طبول الحرب المستمر في المنطقة الذي يشغل الرأي العام ويصرف الانتباه عن تحولات قد تكون أكثر عمقاً وتأثيراً على المدى الطويل. بغض النظر عن الأسباب، يبقى هذا الحدث علامة فارقة في تاريخ العلاقات الدولية، ونهاية لحقبة كاملة كانت فيها الهند صوتاً بارزاً في المحافل الدولية لدعم القضايا العربية والعالمثالثية.

عقود من المحاولات الأمريكية والإسرائيلية

لطالما سعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلى تغيير الموقف الهندي الثابت تجاه القضية الفلسطينية. على مدى سنوات، أرسلت واشنطن سفراء ومبعوثين من كبار الشخصيات، بما في ذلك جاكلين كينيدي، في محاولات متكررة لكسب تأييد نيودلهي. لكن الهند المستقلة حديثاً آنذاك، اختارت بقوة الانضمام إلى تكتلات عدم الانحياز والحلف الآسيوي الأفريقي، مؤكدة رغبتها في البقاء خارج دائرة النفوذ الغربي والاستعمار القديم. هذا الموقف كان متجذراً في فلسفة قياداتها التاريخية، من جواهر لال نهرو إلى ابنته أنديرا غاندي، الذين رأوا في الاشتراكية والعدالة الاجتماعية طريق الهند نحو التقدم.

تغيرات جذرية في هوية الهند الاقتصادية

شهدت السنوات الأخيرة تحولات عميقة في بنية الهند الاقتصادية والاجتماعية، كان أبرزها تحولها من "أمة من المتسولين" كما وصفتها أنديرا غاندي، إلى "أمة من التكنولوجيين" وقوة اقتصادية صاعدة. بعد عقود من التحالف مع الاتحاد السوفياتي عبر معاهدة الصداقة، أصبحت الهند اليوم واحدة من دول الرأسمال العالمية الكبرى، حيث اختفى مصطلح "الاشتراكية" تقريباً من الخطاب السياسي والاقتصادي السائد. هذا التحول الجذري انعكس مباشرة على توجهاتها الخارجية، حيث أصبحت المصالح الاقتصادية والتكنولوجية تحدد أولوياتها الاستراتيجية أكثر من الأيديولوجيات القديمة.

من فلسفة نهرو إلى رؤية مودي

تمثل زيارة مودي للكنيست قطيعة واضحة مع فلسفة القيادات الهندية التاريخية. فبينما كان جواهر لال نهرو وأنديرا غاندي والمهاتما غاندي يرفضون التصنيفات الدينية والطائفية، ويهتمون أساساً بضمان "ألّا ينام مواطن وهو جائع" كما قالت أنديرا، فإن الزعيم الهندي الحالي يربط نجاحاته بإنجازات الهندوس بشكل صريح. هذا التحول في الخطاب يعكس تغيراً في جوهر الهوية الوطنية الهندية، حيث لم يعد التصنيف التقليدي بين اليمين واليسار مهماً، بل أصبحت المصالح الوطنية والاقتصادية هي المحرك الأساسي للسياسة الخارجية.

عالم يتغير في أساسه

الحدث ليس مجرد زيارة دبلوماسية عابرة، بل هو مؤشر على تغير جوهري في موازين القوى العالمية. فالهند التي كانت لسنوات حجر الزاوية في حركة عدم الانحياز، تبحث اليوم عن شراكات استراتيجية جديدة تتوافق مع مكانتها كقوة اقتصادية وتكنولوجية صاعدة. زيارة مودي للكنيست تحت رعاية نتنياهو ترمز إلى هذا التحول الكبير، حيث تنتقل العلاقات من مستوى الدعم السياسي للقضايا إلى مستوى التحالف الاستراتيجي الذي يخدم المصالح المشتركة في مجالات التكنولوجيا والأمن والاقتصاد. العالم لم يعد كما كان، والهند الجديدة تختار طريقاً مختلفاً تماماً عن ماضيها.