أربع سنوات من الدمار: الحرب الروسية الأوكرانية تترك ندوباً عميقة في جسد البشرية
مرت أربع سنوات كاملة على اندلاع الحرب بين روسيا وأوكرانيا، سنوات أكلت الأخضر واليابس، وتركت وراءها سجلاً مروعاً من الخسائر البشرية والمادية التي يصعب حصرها أو وصفها بدقة. الحرب التي بدأت في فبراير 2022 ما زالت مستمرة حتى اليوم، محوّلةً حياة الملايين إلى جحيم يومي من الخوف والمعاناة.
حصاد مرير: أرقام مخيفة وخسائر لا تُحصى
تُرى كم من الأرواح البريئة ذهبت ضحية لهذا الصراع الدامي؟ كم من العائلات تشتتت، وكم من الأطفال فقدوا آباءهم وأمهاتهم؟ الأسئلة تبقى معلقة في الهواء، بينما تستمر الأرقام في التصاعد بشكل مأساوي. التكلفة الاقتصادية للحرب وصلت إلى مستويات فلكية، مع تدمير البنى التحتية، وانهيار القطاعات الحيوية، وهجرة ملايين الأوكرانيين من ديارهم.
المدن الأوكرانية تحولت إلى أنقاض، فلم تبقَ قرية أو مدينة إلا ومسّها التخريب والدمار. الضربات الروسية الشرسة حولت أجزاء كبيرة من أوكرانيا إلى أرض محروقة، فيما يستمر الشعب الأوكراني في صراع وجودي مرير من أجل البقاء وإثبات الحق في السيادة والحرية.
فشل الوساطات والدعم الدولي المحدود
كل محاولات الوساطة الدولية باءت بالفشل الذريع، دون أن تنجح في تقديم تصور مقنع لوضع حد لهذه الحرب الطاحنة. الدعم العسكري والمالي الذي قدمته الولايات المتحدة والدول الأوروبية لأوكرانيا، رغم ضخامته، لم يتمكن من حماية الأراضي الأوكرانية بالكامل، ولم يوقف نزيف الخسائر البشرية والاقتصادية المتواصل.
العديد من المحللين يرون أن أوكرانيا كانت في مصلحتها لو تجنبت الدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، واكتفت بالخيارات الدبلوماسية والسياسية. لكن القرارات اتخذت، والمعركة اندلعت، والنتائج أصبحت واقعاً مريراً يتحمله الشعب الأوكراني بأكمله.
روسيا أيضاً تدفع ثمناً باهظاً
إذا كانت الخسائر الأوكرانية مروعة وغير قابلة للوصف، فإن روسيا أيضاً دفعت ثمناً اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً باهظاً مقابل ما حققته من مكاسب محدودة. العقوبات الدولية المشددة عزّلت الاقتصاد الروسي، فيما استنزفت الحرب الموارد البشرية والمادية للجيش الروسي بشكل غير مسبوق.
الحرب التي بدأت وسط ذعر عالمي ومطالبات دولية عاجلة بوقفها فوراً، استمرت لتصبح واقعاً مألوفاً يتعايش معه العالم، بينما يبقى الشعب الأوكراني وحيداً في مواجهة مصيره المحتوم، يصارع من أجل البقاء في ظل ظروف لا إنسانية.
دروس قاسية ومستقبل غامض
الحروب الطويلة تولّد الحقد والكراهية والبغضاء بين الأطراف المتحاربة، وتدفع نحو ارتكاب المزيد من الجرائم دون وازع من ضمير أو التزام بالأخلاق والإنسانية. حتى عندما تتوقف الحرب، فإن آثارها تبقى لعقود، وتتحول إلى استراحة محاربين يستعدون لجولة قادمة، لا إلى سلام دائم حقيقي.
الدرس الأهم الذي تقدمه هذه الحرب هو ضرورة تجنب اللجوء إلى الخيار العسكري، والأخذ بخيارات الدبلوماسية والحوار العاقل، ومعالجة الإشكاليات بروح من المسؤولية والحكمة. لكن السؤال يبقى: من يفهم هذا الدرس القاسي؟ من يدرك أن لا منتصر حقيقي في الحروب، وأن الجميع يخسر عندما تندلع نيران الصراع؟
التاريخ يعيد نفسه، والبشرية تتعلم ببطء شديد. أربع سنوات من الدمار كافية لتذكير العالم بأن الحروب لا تحل المشكلات، بل تخلق مشكلات جديدة أكثر تعقيداً وخطورة. المستقبل يبقى غامضاً، والأمل الوحيد هو في عقلاء القادة الذين يدركون أن طريق السلام، رغم صعوبته، هو الطريق الوحيد نحو مستقبل أفضل للجميع.