معركة السيادة على البيانات: ترامب يريد وضع بيانات العالم تحت السيطرة الأمريكية
كشفت مراسلات داخلية لوزارة الخارجية الأمريكية عن توجهات جديدة للإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تهدف إلى وضع بيانات سكان العالم تحت تصرف الولايات المتحدة، مستخدمة في ذلك شركات التكنولوجيا الأمريكية العملاقة كأداة رئيسية في هذه المعركة.
توجيهات سرية لمعارضة قوانين حماية البيانات
نقلت وكالة رويترز للأنباء عن وثائق داخلية أن البيت الأبيض وجه أوامر صريحة للدبلوماسيين الأمريكيين بمعارضة محاولات العديد من الدول، وخاصة الأوروبية منها، لتنظيم تعامل شركات التكنولوجيا الأمريكية مع بيانات مواطني هذه الدول. وتأتي هذه التوجيهات في إطار معركة أوسع حول ما يعرف بـ"السيادة على البيانات"، والتي أصبحت محور صراع دولي بين الحكومات والشركات التكنولوجية العملاقة.
ووفقاً لتقرير "مونت كارلو الدولية"، فإن هذه القضية أثارت اهتماماً كبيراً لدى العديد من الدول التي تسعى لحماية بيانات مواطنيها من الاستخدام غير المنظم من قبل الشركات الأمريكية. فكلما اشترك مستخدم في أي مكان في العالم في شبكة تواصل اجتماعي أو استخدم تطبيقات الذكاء الاصطناعي، فإنه يقدم بياناته الشخصية لشركات تكون في معظمها أمريكية، أصبحت تمتلك مليارات البيانات الشخصية لأناس من مختلف بلدان العالم.
مبادرات السيادة على البيانات: حماية أم عائق؟
تقضي مبادرات السيادة على البيانات بأن الدولة التي جمعت البيانات على أراضيها تحتفظ بحق السيادة على هذه البيانات، حتى لو كانت محفوظة في حوسبة سحابية أو في خوادم مخصصة في بلدان أخرى. وهذا يعني عملياً أن كافة البيانات التي جمعتها شركات مثل غوغل أو ميتا على الأراضي الفرنسية، على سبيل المثال، تظل تحت السيطرة القانونية الفرنسية لحمايتها من المراقبة الأجنبية، ولضمان امتثالها لقوانين حماية البيانات المحلية.
يجمع الخبراء على أن هذه البيانات تشكل أكبر الثروات في عصر المعلومات، وأن الجهة التي تمتلك هذه البيانات وتستطيع معالجتها بالتحليل واستخدامها اقتصادياً، تسيطر عملياً على السوق العالمي، كما تفرض هيمنة سياسية على بقية الدول. بالتالي، فإن مبادرات "السيادة على البيانات" تشكل عوائق كبيرة أمام شركات السيليكون فالي الأمريكية، وتقطع الطريق على الإدارة الأمريكية لاستثمار بيانات سكان العالم بأكمله.
رسالة وزير الخارجية الأمريكية: تحذيرات من عواقب القيود
جاءت توجيهات الإدارة الأمريكية في مراسلة من الخارجية الأمريكية بتاريخ 18 فبراير/شباط، وبتوقيع وزير الخارجية ماركو روبيو، الذي تحدث فيها عن مبادرات "السيادة على البيانات" قائلاً إنها تؤدي إلى "تعطيل تدفق البيانات العالمية، وزيادة التكاليف ومخاطر الأمن السيبراني، والحد من الذكاء الاصطناعي وخدمات الحوسبة السحابية، وتوسيع سيطرة الحكومة بطرق يمكن أن تنتقص من الحريات المدنية وتمكن من الرقابة".
كما أكدت الرسالة أن إدارة ترامب تريد اتباع سياسة بيانات دولية "أكثر حزماً" ودعت الدبلوماسيين الأمريكيين إلى معارضة لوائح مثل "السيادة على البيانات"، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على الهيمنة الأمريكية في مجال البيانات الرقمية.
حالة زيمبابوي: رفض المساعدة مقابل البيانات الصحية
في سياق مشابه ومرتبط، قررت الحكومة في زيمبابوي الانسحاب من مفاوضات مع الولايات المتحدة حول اتفاق ثنائي في مجال الصحة، والسبب يتعلق تحديداً بمخاوف الحكومة من تقديم بيانات صحية حساسة للأمريكيين مقابل دعم مالي.
وكانت الولايات المتحدة تقدم بموجب مذكرة تفاهم ثنائية في مجال الصحة مبلغ 367 مليون دولار على مدى خمس سنوات لتمويل مبادرات منها التعامل مع الإصابة بالإيدز، وعلاج السل والملاريا، وصحة الأم والطفل. لكن الحكومة الزيمبابوية رأت، وفق المتحدث الرسمي نيك مانجوانا، أن المساعدة المالية مشروطة بتنازلات تمس الأمن القومي أو السيادة على البيانات أو الوصول إلى الموارد الاستراتيجية، دون أي ضمانات على أنها ستحصل على ابتكارات طبية في مجالات اللقاحات أو العلاج.
ورداً على ذلك، قالت السفيرة الأمريكية في زيمبابوي باميلا تريمونت: "سننتقل الآن إلى المهمة الصعبة والمؤسفة، وهي تقليص مساعدتنا الصحية في زيمبابوي"، مما يؤكد عمق الخلافات حول قضية تبادل البيانات بين الدول.
تشكل هذه التطورات مؤشراً واضحاً على تحول معركة البيانات من مجرد قضية تقنية إلى صراع جيوسياسي كامل الأبعاد، حيث تسعى الولايات المتحدة للحفاظ على هيمنتها التكنولوجية العالمية، بينما تحاول دول أخرى حماية سيادتها الرقمية وبيانات مواطنيها من السيطرة الأجنبية.