جنيف تستضيف جولة مفاوضات مصيرية لمنع حرب في الشرق الأوسط
في ظل مناخات الحرب المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة، فرضت الأحداث تسريع عقد الجولة الثالثة من المفاوضات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في مدينة جنيف السويسرية. هذه الجولة المقررة يوم الخميس تمثل محطة مفصلية تواجه احتمالين لا ثالث لهما: إما إرساء أرضية صلبة لخفض التصعيد والوصول إلى تفاهمات، أو بدء العد العكسي لساعة الانفجار التي قد تشعل حرباً جديدة في المنطقة.
استعدادات متوازية للخيارين الديبلوماسي والعسكري
تذهب كل من واشنطن وطهران إلى جنيف وهما مجهزتان للخيارين معاً: خيار المفاوضات الديبلوماسية وخيار المواجهة العسكرية. على ضفاف بحيرة جنيف الجميلة، سيتبين ما إذا كان الجانبان مستعدين لزحزحة "الخطوط الحمراء" التي رسمها كل منهما أمام الآخر، أم سيتشبثان بها حتى لو كانت الكلفة اندلاع حرب مدمرة.
أشار الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى وجود "مؤشرات مشجعة" في الأجواء، لكنه أكد في الوقت نفسه استعداد بلاده "لأي سيناريو محتمل". من جانبه، لفت وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى أن التوصل إلى "اتفاق سريع" لا يزال ممكناً، بينما أعلن بوضوح أن إيران سترد بقصف القواعد الأميركية في المنطقة إذا ما تعرضت لهجوم.
تنازلات جديدة ومواقف متصلبة
كشفت تقارير لوكالة "رويترز" أن إيران قدمت تنازلات جديدة فيما يخص برنامجها النووي، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل. هذه التنازلات تشمل شرطاً أساسياً هو رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على طهران، والاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية، وفقاً لما تجيزه الوكالة الدولية للطاقة الذرية للدول الأعضاء فيها.
يتوافق هذا الموقف الإيراني مع تصريحات نُسبت إلى مسؤول أميركي يوم السبت، أفادت بأن الرئيس دونالد ترامب قد يوافق على تخصيب "رمزي ومحدود" لإيران، لا يمكنها من بلوغ درجات التخصيب التي تؤهلها للحصول على مواد انشطارية. مثل هذه الصيغة التفاوضية قد تؤمن للرئيس الأميركي الخروج باتفاق أقوى بكثير من اتفاق عام 2015، الذي أبرمته مجموعة "خمسة زائد واحد" مع إيران خلال ولاية الرئيس السابق باراك أوباما.
مرونة أميركية ووساطة عمانية
في تطور لافت، أظهر الجانب الأميركي مرونة جديدة عندما نشر موقع "أكسيوس" خبراً يفيد بأن واشنطن مستعدة لإبرام "اتفاق نووي موقت" مع إيران، قبل التوصل إلى اتفاق نووي شامل. لكن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي سرعان ما أكد أن هذا الحديث "لا يستند إلى أي أساس".
رغم ذلك، إذا صح هذا الخبر، فإنه يعني أن الإدارة الأميركية والحكومة الإيرانية تخوضان الآن - على وقع التهديدات المتبادلة - في الجوانب التفصيلية للاتفاق الموقت الذي من شأنه خفض حدة التصعيد. في هذا الإطار، يجدر الإشارة إلى أن الوسيط العماني، وزير الخارجية بدر البوسعيدي، الذي سيتولى نقل الاقتراحات المتبادلة في جنيف، تحدث عن "دفعة إيجابية" وعن "لمسات أخيرة" نحو اتفاق.
فرصة أخيرة قبل "أمور سيئة جداً"
تأتي جولة الخميس في جنيف ضمن الإطار الزمني الذي حدده الرئيس ترامب، والمتمثل في عشرة إلى خمسة عشر يوماً كفرصة أخيرة للديبلوماسية، قبل أن "تحدث أمور سيئة جداً" - كما وصفها بنفسه. هذا التصريح يشير بوضوح إلى اعتزام ترامب اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران إذا فشلت المفاوضات، دون أن يحدد المدى الذي يمكن أن يبلغه مثل هذا الخيار أو الغاية منه: هل هو إرغام النظام الإيراني على القبول بتنازلات كبيرة، أم استهداف النظام ذاته وتغييره؟
في خلفية هذه المفاوضات المصيرية، تستمر الأوضاع الداخلية في إيران في التميز بالقلق، حيث شهدت العاصمة طهران ومدينة مشهد تجدد الاحتجاجات يوم الأحد في عدد من الجامعات، مما يضفي صورة عن وضع لا يزال متوتراً في الداخل الإيراني.