واشنطن وطهران: اختبار لمنطق القوة في مفاوضات إسلام آباد
في السجال الأمريكي ـ الإيراني حول المفاوضات الجارية في إسلام آباد، لا تبدو الأزمة مجرد خلاف تقني حول برنامج نووي أو ترتيبات أمنية، بل تمثل اختباراً عميقاً لمنطق القوة حين يدخل قاعة التفاوض محمّلاً بذاكرة الحرب وحسابات الداخل وضغط الزمن المتسارع.
سياسة التفاوض على حافة الهاوية
تتحرك واشنطن وطهران وفق سياسة التفاوض على حافة الهاوية؛ حيث يرفع كل طرف سقف مطالبه، ويحاول إقناع الآخر بأنه قادر على التصعيد، وأن كلفة تجاهله ستكون أعلى من كلفة التفاهم معه. لكن خلف هذه اللغة الحادة والمواقف المتصلبة، تكمن حقيقة أكثر واقعية: لا مصلحة حقيقية لأي من الطرفين في استئناف القتال أو الدخول في مواجهة عسكرية شاملة.
القيود الداخلية والضغوط السياسية
الولايات المتحدة، رغم فائض القوة العسكرية الهائل، تواجه قيوداً داخلية واضحة ومتعددة:
- اقتصاد ضاغط يتأثر بالتضخم وأسعار الطاقة.
- رأي عام متوجس ومتخوف من حروب جديدة في الخارج.
- طبقة سياسية لا تمنح الإدارة تفويضاً مفتوحاً للتصعيد.
- انتخابات نصفية تقترب وتضغط بقوة على قرارات البيت الأبيض.
أما إيران، فرغم خطابها العالي والتصريحات الصلبة، فهي تدرك جيداً أن ما تعتبره صموداً في الجولة الأولى من المواجهات لا يضمن لها النتيجة نفسها في جولة ثانية، وأن استئناف العمليات العسكرية قد يبدّد أوراقاً تملكها اليوم ولا تضمن الاحتفاظ بها غداً.
جوهر التباين بين المنطقين
هنا يتشكّل جوهر التباين والاختلاف بين المنطقين الأمريكي والإيراني:
- طهران ترى أنها صمدت في وجه هجوم أمريكي ـ إسرائيلي واسع من دون أن يتغيّر النظام أو تُكسر إرادتها السياسية، ولذلك تريد تحويل هذا الصمود إلى مكسب تفاوضي لا إلى تنازل مجاني.
- في المقابل، ترى واشنطن أنها ألحقت ضرراً كبيراً بالبنية العسكرية والقيادية الإيرانية، وأن هذا الضرر يجب أن يُترجم سياسياً في صورة تنازلات واضحة وملموسة.
ببساطة، إيران تريد اعترافاً دولياً بصمودها وقوتها، وأمريكا تريد اعترافاً بتفوقها وهيمنتها. ومع ذلك، لا يغلق هذا التباين باب المرونة أو إمكانية التوصل إلى تسوية.
ملفات التفاوض والتعقيدات الإقليمية
هناك ملفات يمكن أن تتحرك فيها طهران من دون أن تسمي ذلك تنازلاً، مثل ملف اليورانيوم المخصب، سواء عبر إخراجه إلى روسيا أو الصين كما حدث عام 2015، أو عبر تجميد التخصيب لفترة محددة. لكن الملفات الأخرى أكثر تعقيداً وحساسية:
- ملف المليشيات الحليفة لإيران: حيث تبدو المسافة شاسعة بين ما تطلبه واشنطن وما تستطيع طهران تقديمه من دون المساس بجوهر إستراتيجيتها الإقليمية ونفوذها.
- ملف الصواريخ الباليستية: وهو محكوم بواقعية مختلفة، لأنها تمثل لإيران أداة الردع الأكثر فاعلية وربما البديل الوحيد عن قوة جوية تقليدية متطورة.
الرهانات والاستراتيجيات
في هذا السياق المتشابك، تراهن طهران على الوقت بوصفه سلاحاً سياسياً فعالاً. فكلما طال أمد الأزمة، ازدادت كلفتها على الرئيس ترمب داخلياً، وارتفعت احتمالات تأثيرها في أسعار الطاقة والتضخم ومزاج الناخب الأمريكي. كما تراهن على ورقة مضيق هرمز بوصفها أداة ضغط عالمية تمس الوقود وسلاسل الإمداد وحسابات أوروبا وآسيا والصين.
غير أن هذه الورقة قد تنقلب على صاحبها إذا جرى الإفراط في استخدامها؛ فإغلاق هرمز طويلاً قد يجعل إيران في مواجهة مع العالم، لا مع واشنطن وحدها.
هشاشة الموقف الأمريكي
وفي المقابل، لا يبدو الموقف الأمريكي خالياً من الهشاشة والتحديات:
- غياب لتأييد داخلي صلب لأي مغامرة عسكرية طويلة الأمد.
- غياب لخطة سياسية واضحة لليوم التالي لأي مواجهة.
- إحجام أوروبي وأطلسي عن الانخراط في مواجهة مفتوحة مع إيران.
- عدم وضوح الهدف النهائي: هل هو تعديل السلوك؟ أم تفكيك القدرات؟ أم إسقاط النظام؟
وحين يغيب الهدف الواضح، تتحوّل القوة العسكرية إلى عبء على صاحبها بدلاً من أن تكون أداة ضغط فعالة.
الخلاصة: بين التصعيد والضرورة
لذلك تبدو المفاوضات المقبلة محكومة بتوازن دقيق وحساس بين التصعيد والضرورة، بين الخطاب العالي والحاجة إلى التسوية. فإيران تخشى عزلة اليوم التالي وانفجار الداخل تحت ضغط الاقتصاد، والولايات المتحدة تخشى حرباً بلا نهاية وتكاليف باهظة.
وبين الخشيتين، لا تنتصر البلاغة وحدها، ولا يكفي الصمود وحده، ولا تحسم الضربات وحدها؛ ما يحسم في النهاية هو قدرة كل طرف على تحويل القوة إلى سياسة، والضغط إلى تفاهم، والمواجهة إلى معادلة قابلة للحياة والاستمرار.



