العلاقات السعودية الروسية: نموذج فريد في إدارة السياسة الخارجية
العلاقات السعودية الروسية: نموذج فريد في السياسة

العلاقات السعودية الروسية: نموذج فريد في إدارة السياسة الخارجية

يمكن اعتبار قصة العلاقات بين المملكة العربية السعودية وروسيا نموذجاً فريداً في العلاقات بين الدول. فقد كانت روسيا، ممثلة في الاتحاد السوفييتي آنذاك، أول دولة في العالم تعترف رسمياً بمملكة الحجاز ونجد وملحقاتها في عام 1926م، أي قبل أن يتحول اسمها إلى المملكة العربية السعودية عام 1932م. وبعد الاعتراف، تم رفع مستوى العلاقات بتحويل القنصلية السوفييتية في جدة إلى سفارة عام 1930م، لكن العلاقات لم تستمر طويلاً وتوقفت عام 1938م.

أسباب انقطاع العلاقات

أسباب انقطاع العلاقات آنذاك واستمرار القطيعة الطويلة يكون مفهوماً في سياق الأيديولوجيا الفكرية والطبيعة السياسية لنظام الاتحاد السوفييتي المتناقضة مع الأسس الدينية والسياسية والفكرية للمملكة، والمتضادة مع المشروع السعودي الطامح للاستقرار وبناء دولة حديثة متوازنة تتطلع إلى علاقات إيجابية مع المجتمع الدولي في إطار من المنافع الاقتصادية التي تحتاجها دولة ناشئة.

عودة العلاقات وتطورها

عندما عادت العلاقات في عام 1990م، كان ذلك بسبب متغيرات كثيرة أهمها التغيير الذي حدث في النظام السوفييتي. لكنها عادت بترقب وحذر في إطار بروتوكولي لا أكثر، حتى تلاقت مصالح مشتركة كثيرة بعد قيام روسيا الاتحادية وطي مرحلة النظام السوفييتي الأيديولوجي نهائياً. بدأت مبادرات التعاون والشراكات تفرض نفسها، ثم توطدت العلاقات أكثر بزيارة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز إلى موسكو عام 2017م، وكذلك زيارات ولي العهد، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات الوطيدة كدولتين بارزتين ومؤثرتين في مجالات النفط والطاقة والاقتصاد والتجارة العالمية.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

توازن العلاقات مع القوى الكبرى

استطاعت المملكة بذكاء وحكمة أن تطور علاقاتها بشكل سريع وواسع مع روسيا مع المحافظة على اتزان علاقاتها الاستراتيجية مع أمريكا والدول الغربية الكبرى. بل إن العالم، وأمريكا بالذات، شهد النتائج الإيجابية للعلاقات السعودية الروسية في منعطفات مهمة وظروف دقيقة؛ من أبرزها الحرب الروسية الأوكرانية وتبعاتها على إمدادات النفط والطاقة، وكذلك إيجاد توازن في المواقف تجاه بعض الملفات السياسية الدولية والإقليمية المهمة، وخفض التوتر والتصعيد في بعض الأزمات.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

الاحتفال بمئة عام من العلاقات

الآن تحتفل الدولتان، المملكة وروسيا، بمرور مئة عام على بدء علاقاتهما، وقد تجلت طبيعة الاحتفاء الروسي بدعوة المملكة كضيف شرف في منتدى سان بطرسبورغ الاقتصادي الدولي. وقد عبرت كلمة الرئيس الروسي بوتين في احتفالية المنتدى عن مدى التقدير الكبير للمملكة والإشادة بعلاقات البلدين، والمصالح الجيوسياسية والاقتصادية المشتركة بينهما. كما عبر وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان في حوارات المنتدى عن أهمية الشراكات القائمة والقادمة في مجالات استراتيجية عديدة تعود بالنفع على البلدين والاقتصاد العالمي ككل.

خلاصة القول

سيناريو العلاقات بين المملكة وروسيا هو نموذج لكيفية إدارة المملكة لعلاقاتها الخارجية بعقلانية واتزان وهدوء ونفس طويل في كل المراحل والظروف، دون أن تكون العلاقة مع طرف على حساب علاقات أخرى، وانطلاقاً من استشعار مسؤوليتها كدولة مهمة ووازنة في المجتمع الدولي. هكذا تدار السياسة بالعقل والحكمة والروية التي يمثلها النموذج السعودي.