الهلال يخسر الصدارة: أزمة هوية أم مجرد تراجع مؤقت؟ تحليل معمق للأزمة
خسارة الصدارة في الدوري السعودي ليست حدثًا عابرًا في تاريخ نادي الهلال، بل هي لحظة فارقة تثير تساؤلات عميقة حول هوية الفريق ومساره الحالي. فالهلال، عبر عقوده الطويلة، تعلّم أن الدوري سباق طويل، وأن القمم تُستعاد كما تُفقد، لكن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد خسارة نقاط على الجدول. إنه ارتباك في الهوية، حيث الفريق الذي كان يعرف كيف يفوز حتى في أحلك الظروف، أصبح يتعثر رغم اكتمال أدواته الفنية والإدارية.
أزمة الانسجام وغياب الشخصية البطولية
الهلال ليس فقيرًا فنيًا، ولا ضعيفًا إداريًا، ولا محدود الخيارات. بل هو ربما الأكثر اكتمالًا على الورق بين أندية الدوري السعودي. ومع ذلك، داخل الملعب، يتصرف كفريق يبحث عن نفسه، لا كفريق يدافع عن إرثه العريق. الهلال الذي عرفناه لا يكتفي بالأسماء الكبيرة، بل يحكمه وضوح فكرة: شخصية بطل، ضغط عالٍ، حلول هجومية مبتكرة، ووقت مرعب للمنافسين. اليوم، تراجعت هذه الملامح دون تفسير مقنع.
الفريق لا يعاني من نقص في النجوم، بل من غياب الانسجام بينهم. لا يفتقر إلى مدرب متمرس، بل إلى ثبات القناعة في الخطط. لا يخسر لأن المنافس أقوى، بل لأنه يتخلى عن شخصيته تدريجيًا. مؤشرات هذا التراجع واضحة:
- انخفاض مستوى اللياقة البدنية للاعبين.
- بطء في التحولات الهجومية والدفاعية.
- فوضى في اتخاذ القرارات خلال الثلث الأخير من المباريات.
- تراجع خطورة الكرات الثابتة، والتي كانت سلاحًا فعالًا.
- انخفاض أداء اللاعبين الكبار، وعدم الجرأة في إشراك اللاعبين الجدد.
هذه ليست تفاصيل عابرة، بل هي مؤشرات على فقدان البوصلة. وفي الأندية الكبيرة، البوصلة أهم من النجوم نفسها.
الهلال: عقيدة ومنهج يحتاجان إلى إعادة تأكيد
الهلال يمثل عقيدة ومنهجًا وفكرًا ومسارًا واضحًا. مهما تعاقبت السنون، يظل ثابتًا في رمزيته وتفرد حضوره. المدرب قد يخطئ، واللاعب قد يمر بمرحلة هبوط، والإدارة قد تتأخر في التصحيح، لكن الخطر الحقيقي يبدأ حين تجتمع هذه العوامل في وقت واحد دون رد فعل حاسم. التاريخ والمنطق يعلماننا أن الهلال ليس فريق ردود أفعال، بل هو فريق يصنع الفعل ثم يفرضه على الخصوم. وحين يتحول إلى فريق ينتظر المباراة لتخبره ماذا يفعل، يفقد نصف قوته.
الصدارة ليست مجرد رقم في الجدول، بل هي انعكاس لشخصية البطل وتعريف بهويته. وحين تضيع الصدارة رغم توفر كل الإمكانات، فهذا يعني أن المشكلة ليست في الإمكانات نفسها، بل في إدارة هذه الإمكانات بشكل فعال.
الماضي لا يكفي: الحاجة إلى قرارات واضحة وهدوء صريح
المدرب انزاغي قدّم فترات مميزة لا يمكن إنكارها، وما فعله في كأس العالم للأندية سيغفر له الكثير. والإدارة دعمت الفريق بشكل استثنائي، ولم تبخل بشيء، خاصة في فترات رئاسة وجه والسعد والأمير الوليد. والجمهور لم يتأخر يومًا في الوقوف خلف الفريق. لكن كرة القدم لا تعيش على الماضي، ولا تكافئ على الأسماء فقط، بل تعيش على ما يحدث الآن في الملعب.
المرحلة الحالية التي يعيشها الهلال لا تحتاج إلى جلد ذاتي ولا إلى تصفيق أعمى، بل تحتاج إلى هدوء صريح وقرارات واضحة. ضغط داخلي محترف يمكنه إعادة الفريق إلى مساره الصحيح، دون ضجيج خارجي يمزق الصفوف. الهلال لا يخسر حين يتراجع مستواه، بل يخسر حين يقبل بهذا التراجع كأمر عادي.
وحتى الآن، ما زالت كل البطولات ممكنة، وما زالت الشخصية البطولية قابلة للاستعادة. لكن ذلك لن يحدث بالحنين إلى الماضي، ولا بالصمت على الأخطاء. يحدث فقط حين يتذكر الجميع أن الهلال لا يعيش بالأسماء ولا بالذكريات، بل يعيش بهوية البطل التي لا تقبل أنصاف الحلول. وقدر الهلال وقدر جمهوره أنهم لا يرضون بموسم بلا بطولات، أو بالمركز الثاني والمشاركة المشرفة فقط.
الهلال: ذاكرة جميلة وموعد دائم مع السعادة
الهلال لم يُخلق لنختلف عليه، بل لنلتف حوله في السراء والضراء. وُجد ليمنحنا لحظات الفرح التي تعوّض تعب الأيام، ليسرقنا من ضجيج الحياة إلى نشوة الهدف، ومن ثقل الواقع إلى خفة الانتصار. هو المساحة التي ننسى فيها كل شيء، ثم لا نتذكر إلا أنه كان السبب في ابتسامة صادقة، وفرح جماعي لا يشبهه فرح.
الهلال ليس فريق نتائج فقط، بل هو ذاكرة جميلة نتشاركها، وموعد دائم مع السعادة، مهما تعثّر الطريق. سيعود الهلال، لأن الفرح يعرف طريقه إليه، وسنعود معه كما كنا دائمًا: نختلف قليلًا، نقلق كثيرًا، لكننا في النهاية نتذكر لماذا كان الهلال موجودًا ليسعدنا.