الاقتراح الإسرائيلي الذي غير مسار كرة القدم العالمية
في مساء دافئ من شهر أغسطس عام 1970، وعلى ملعب بوثفيري بارك في مدينة هال الإنجليزية، كان الجمهور على موعد مع حدث تاريخي غير وجه كرة القدم إلى الأبد. كانت تلك الليلة شاهدة على أول ركلات ترجيح رسمية في العالم، لكن قصة ولادة هذه الفكرة تعود إلى عامين قبل ذلك، وتحديداً إلى لحظة أثارت غضب الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم.
اللحظة التي ولدت منها الفكرة
في أولمبياد 1968، تعادلت إسرائيل مع بلغاريا بنتيجة 1-1 في ربع النهائي، لتخرج من البطولة بالقرعة بعد سحب قائد المنتخب الإسرائيلي ورقة مكتوب عليها "لا" من قبعة سومبريرو كبيرة. هذه اللحظة أثارت غضباً عارماً داخل الاتحاد الكروي في إسرائيل، ودفعت المسؤولين إلى التفكير الجدي في إيجاد طريقة أفضل لحسم المباريات المتعادلة.
يقول يوسف داغان، المسؤول في الاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم آنذاك: "لا بد من وجود طريقة أفضل لحسم هذه اللحظات الكبرى، طريقة تعتمد نظرياً بشكل أقل على الحظ وأكثر على المهارة". هذا الإحباط تحول إلى فكرة ملموسة عندما قام داغان، بالتعاون مع مايكل ألموغ الذي أصبح لاحقاً رئيس الاتحاد الإسرائيلي، بتطوير مفهوم ركلات الترجيح.
الاقتراح الرسمي والمناقشات الدولية
في عام 1969، قدم ألموغ وداغان مقترحاً رسمياً إلى الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا)، نُشر في المجلة الرسمية للاتحاد. في الرسالة التاريخية، كتب ألموغ: "إيقاف طريقة تحديد الفائز عبر القرعة، فهي نظام غير أخلاقي بل وقاسٍ على الفريق الخاسر، وغير مشرّف للفائز".
ودعا الاقتراح إلى استبدال القرعة بسلسلة من 5 ركلات جزاء لكل فريق، مع استمرار الركلات في حالة استمرار التعادل حتى يضيع أحد الفريقين ويسجل الآخر. أثارت هذه الفكرة نقاشاً واسعاً في الأوساط الكروية العالمية قبل أن يتم اعتمادها رسمياً من قبل مجلس الاتحاد الدولي لكرة القدم خلال اجتماعه السنوي في إنفرنِس باسكتلندا يوم 27 يونيو 1970.
الطرق التقليدية لكسر التعادل
قبل ظهور ركلات الترجيح، كانت مباريات الكأس أو الإقصاء التي تنتهي بالتعادل تُحسم عبر:
- إعادة المباراة
- القرعة
- رمي العملة
- تقاسم الألقاب في بعض الحالات
- احتساب عدد الركنيات
في بطولة أوروبا عام 1968، تأهلت إيطاليا إلى النهائي بعد تخمين صحيح لنتيجة رمي العملة عقب تعادلها 0-0 مع الاتحاد السوفيتي. هذه الطرق البدائية هي التي دفعت نحو البحث عن نظام أكثر عدالة.
أول تطبيق عملي في بطولة كأس واتني
بعد ستة أسابيع فقط من قرار مجلس الاتحاد الدولي، جاءت أول فرصة عملية لتطبيق النظام الجديد. في بطولة كأس واتني (مسابقة ما قبل الموسم من 1970 إلى 1973)، وصلت مباراة بين مانشستر يونايتد وهال سيتي إلى الوقت الإضافي بنتيجة 1-1.
يتذكر مارتن كيلي، الذي كان يبلغ 11 عاماً ويشجع هال سيتي: "يا إلهي، إنه جورج بست، أحد أعظم اللاعبين على الإطلاق، سيُسدد أول ركلة جزاء في أول ركلات ترجيح في تاريخ كرة القدم". لم يكن أحد يعلم أن هذه الطريقة الجديدة ستصبح تجربة مقلقة للأعصاب إلى درجة أن بعض الجماهير واللاعبين بالكاد يستطيعون مشاهدتها.
لحظات تاريخية لا تُنسى
في تلك الليلة التاريخية، سجل جورج بيست أول ركلة ترجيح في التاريخ بكرة منخفضة بقدمه اليمنى في الزاوية اليسرى. أما تيري نيل، لاعب ومدرب هال سيتي، فأصبح أول لاعب-مدرب يسجل في ركلات الترجيح.
لكن اللحظة الأكثر تأثيراً كانت عندما أصبح دينيس لو أول لاعب يهدر ركلة ترجيح في التاريخ، بعد أن صد حارس هال سيتي إيان ماكيتشني تسديدته الأرضية. يقول فرانكي بانكس، لاعب هال سيتي السابق: "سيبقى لو إلى الأبد أول لاعب يهدر ركلة ترجيح، وسيبقى ماكيتشني أول حارس مرمى يتصدى لركلة ترجيح في التاريخ".
المفارقة أن ماكيتشني نفسه أصبح أول حارس مرمى يتقدم لتنفيذ ركلة ترجيح، لكن تسديدته ارتطمت بأعلى العارضة ليكون أول حارس يهدر ركلة ترجيح أيضاً. يقول بانكس: "إهدار تلك الركلة ظل يلازم إيان طوال حياته".
تطور نظام ركلات الترجيح عبر العقود
منذ تلك الليلة في هال، أصبحت ركلات الترجيح جزءاً أساسياً من كرة القدم العالمية:
- كان أول لقب دولي كبير يُحسم بركلات الترجيح هو بطولة أمم أوروبا عام 1976
- انتهت نهائيات كأس العالم بها ثلاث مرات في أعوام 1994 و2006 و2022
- أدخلت ركلات الترجيح في كأس الاتحاد الإنجليزي في موسم 1990-1991 فقط
- تشير الإحصاءات إلى أن 24% من ركلات الترجيح يتم إهدارها
عانى منتخب إنجلترا للرجال كثيراً في ركلات الترجيح، حيث خسر 7 مرات بهذه الطريقة في البطولات الكبرى. كما انتهت أحلام ويلز مؤخراً في المشاركة بكأس العالم 2022 على يد البوسنة والهرسك بركلات الترجيح.
إرث الاقتراح الإسرائيلي
بعد أكثر من خمسة عقود من تلك الليلة التاريخية في هال، لا تزال ركلات الترجيح تمثل أحد أكثر اللحظات إثارة للتوتر في كرة القدم. ما بدأ كاقتراح من اتحاد إسرائيلي غاضب من الخسارة بالقرعة، تحول إلى نظام عالمي غير وجه الرياضة الأكثر شعبية في العالم.
يتذكر كيلي تلك الليلة قائلاً: "كل ركلة كانت عذاباً". وبعد أكثر من ستة عقود، لا يزال هذا الوصف دقيقاً حتى اليوم، حيث تتحول ركلات الترجيح إلى مسرح للبطولات والإخفاقات، للأفراح والأحزان، في مشهد درامي أصبح جزءاً لا يتجزأ من سحر كرة القدم العالمية.



