يبيّن المقال أن خدمة الآخرين ليست تنازلاً أو تضحية خالصة، بل هي استثمار يعود أولاً على صاحبها بسكينة النفس وطمأنينة القلب وارتفاع مستوى السعادة والرضا عن الحياة، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تؤكد أن الإحسان للناس إحسان للنفس قبل غيرها. ويوضح أن لذة العطاء أعمق وأبقى من لذة الاستهلاك المادي، وأن أبسط صور الخير كابتسامة صادقة أو كلمة تشجيع يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً في حياة الفرد والمجتمع، خاصة في زمن تتصاعد فيه النزعة الفردية.
العطاء استثمار ذاتي قبل أن يكون تضحية
البعض يعتقد أن خدمة الآخرين نوع من التنازل أو التضحية التي يقدمها للناس على حساب راحته ووقته وجهده، لكنه حين يفكر ويتأمل بعمق يجد أن المستفيد الأول من فعل الخير هو صاحب الخير نفسه. فالإنسان حين يبتسم في وجه أخيه، أو يبعد حجراً عن الطريق، أو يفسح مكاناً في مجلس، أو يقدم كلمة طيبة، أو يثني على الآخرين بصدق، فإنه في الحقيقة يرسل نفحات من السعادة داخل نفسه، ويغذي روحه بقيم عظيمة تجعله يشعر بقيمته ومكانته كإنسان، ويصنع لنفسه حياة كلها طمأنينة وراحة بال.
التأصيل الإسلامي لقيمة العطاء
لقد جاء الإسلام ليؤكد هذه الحقيقة بأسلوب واضح وعميق، قال الله تعالى ( إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ) فكل إحسان وكل عمل طيب يقدمه الإنسان يعود أثره وفائدته عليه قبل غيره. فالخير الذي نصنعه للناس هو في حقيقته استثمار لأنفسنا في الدنيا والآخرة، الله سبحانه وتعالى يقول ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله ).
وفي السنة النبوية نجد التأكيد على قيمة نفع الآخرين، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم (أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس ) وقال صلى الله عليه وسلم ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه ). هذه الأحاديث الشريفة لا تحث على العطاء كواجب ديني فقط بل تكشف عن أثره العميق والكبير في حياة المعطي نفسه؛ فمن يساعد الآخرين يجد من الله العون والتيسير والبركة.
لذة العطاء تفوق المتعة المادية
ومن يتأمل في حياته يجد أن لذة العطاء تختلف عن أي لذة أخرى. فشراء ( الماركات ) وإشباع الرغبات قد يمنح الإنسان متعة مؤقتة، أما إدخال السرور على قلب إنسان، أو مساعدة محتاج، أو دعم شخص يمر بظرف صعب، فإنه يمنح المعطي والمبادر شعوراً بالرضا يستمر طويلاً. وقد أثبتت دراسات عديدة في علم النفس الإيجابي أن الأشخاص الذين يمارسون أعمال الخير واللطف والتطوع باستمرار يتمتعون بمستويات أعلى من السعادة والرضا عن الحياة، كما تنخفض لديهم مستويات التوتر والشعور بالوحدة.
العطاء في الثقافات المختلفة
جميع ثقافات العالم المختلفة اتفقت على أهمية العطاء وفعل الخير. في الثقافة العربية نقول ازرع جميلاً ولو في غير موضعه، فلن يضيع جميل أينما زُرع. أما في الفكر الغربي، فقد قيل حين تعمل من أجل الآخرين فإنك تعمل من أجل نفسك أيضاً. كما قالت الكاتبة الأمريكية ميل روبنز لقد تعلمت أن الناس قد ينسون ما قلته وما فعلته، لكنهم لن ينسوا أبداً كيف جعلتهم يشعرون.
الأعمال الصغيرة تصنع فرقاً كبيراً
إن خدمة الآخرين لا تعني الأعمال الكبيرة فقط، فالأعمال الصغيرة قد تصنع فرقاً عظيماً. ابتسامة صادقة، وسلام يملؤه الدفء، وإصغاء باهتمام لمن يحتاج إلى من يسمعه، وكلمة تشجيع لطالب محبط، ورسالة شكر لموظف مجتهد، والدعاء الصادق للناس بظهر الغيب، كلها صور من الخير تعود بالنفع على المجتمع، لكنها تعود على صاحبها بسكينة النفس واتساع الصدر ومحبة الناس وأجر في الدنيا والآخرة.
إحياء ثقافة العطاء في زمن النزعة الفردية
وفي زمن تتسارع فيه وتيرة الحياة وتزداد فيه النزعة الفردية التي نسمع فيه ابتعد عن الناس!! أسعد نفسك ولا تهتم بأحد!! وغيرها من العبارات الدخيلة على مجتمعاتنا، تبرز الحاجة إلى إحياء ثقافة العطاء وخدمة الآخرين. فالمجتمعات القوية لا تبنى بالأنانية، وإنما بالتراحم والتعاون والتكافل. وكل إنسان قادر على أن يكون مصدراً للخير مهما كانت إمكاناته محدودة.
العطاء طريق السعادة والفرح
إن من أعظم أسرار الحياة أن الإنسان حين يخرج من دائرة الاهتمام والتركيز بذاته فقط، ويجعل إسعاد الآخرين وخدمتهم عملاً يومياً يهتم به، يجد نفسه أكثر سعادة وطمأنينة. فالعطاء لا ينقص الإنسان، بل يزيده ويقوده إلى عالم السعادة، إن خدمة الناس ليست عبئاً، بل طريق إلى الفرح والبركة والرضا. ولذلك، إذا أردت أن تكون المستفيد الأول وتملأ صدرك بالفرح فابحث كل يوم عن فرصة أو موقف تخدم فيه أي إنسان، فربما كانت تلك الخدمة الصغيرة سبباً في سعادة غيرك.. وسعادتك أنت أيضاً.



