كثيراً منا يعرف الإجابة عن سؤال: ما مهنتك؟ لكن قلةً منا توقفت يومًا لتسأل نفسها: هل تكفيني إجابة واحدة فعلاً؟ منذ الطفولة نُسأل السؤال ذاته بصيغ مختلفة: ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟ وكأن المستقبل ينتظر منا اختيار اسم واحد فقط، نكتبه في خانة صغيرة ثم نمضي العمر كله نحاول أن نطابق أنفسنا معه. طبيب، معلم، مهندس، كاتب. كلمات نسمعها منذ الصغر كثيراً، حتى يبدو أحياناً وكأن على كل إنسان أن يجد كلمة واحدة يعرّف نفسه بها ثم يتمسك بها بقية حياته.
وربما لهذا السبب نشعر بالحيرة أحياناً حين نصادف أشخاصاً يصعب اختصارهم في تعريف واحد. أشخاص يعملون في مجال، ويجدون لأنفسهم مساحة في مجال آخر، أو يكتشفون مع مرور السنوات أن قدراتهم أوسع من الطريق الذي بدأوا منه. وهنا يبرز سؤال يتكرر بأشكال مختلفة: هل ما نراه تشتتاً فعلاً؟ أم أن بعض الناس ينظرون إلى إمكاناتهم بطريقة مختلفة؟
الطريقة التي اعتدنا النظر بها إلى الحياة المهنية
ربما لا يتعلق الأمر بالأشخاص أنفسهم بقدر ما يتعلق بالطريقة التي اعتدنا أن ننظر بها إلى الحياة المهنية. فغالباً ما تُروى لنا على هيئة خط مستقيم: دراسة تقود إلى وظيفة، ووظيفة تقود إلى مسار محدد يستمر لسنوات طويلة. وكلما بدا الطريق أكثر وضوحاً واتساقاً، بدا أكثر طمأنينة وقابلية للفهم. لكن الحياة لا تسير دائماً بهذه الصورة. فمع مرور السنوات نكتشف أن بعض الناس لا يغادرون مساراتهم الأولى بقدر ما يوسعونها، ولا يهجرون خبراتهم السابقة بقدر ما يعيدون توظيفها في سياقات جديدة.
وربما سمع بعضهم يوماً عبارات مثل: "ركز على شيء واحد"، أو "اختر طريقك"، أو "ماذا تريد أن تكون في النهاية؟". ومع ذلك، قد يشعر في داخله أن المسألة ليست حيرة بين الطرق، بقدر ما هي رغبة في استكشاف أكثر من إمكانية لما يستطيع أن يكونه أو يقدمه.
التفكير التباعدي: رؤية أكثر من احتمال
يُعرف هذا في علم النفس بمصطلح "التفكير التباعدي" (Divergent Thinking)، ويُستخدم لوصف القدرة على رؤية أكثر من احتمال أو أكثر من طريق ممكن للموقف نفسه، بدل التوقف عند إجابة واحدة فقط. ويرتبط هذا المفهوم عادة بالإبداع والابتكار، لأنه يوسّع نطاق ما يمكن للعقل أن يراه ممكناً. ورغم أن هذا المفهوم يُناقش غالباً في سياق الإبداع، فإن أثره لا يتوقف عند ذلك. ففي بعض الأحيان ينعكس أيضاً على الطريقة التي يرى بها الإنسان نفسه وحياته. فبدلاً من البحث عن احتمال واحد فقط، يصبح أكثر قدرة على رؤية احتمالات متعددة لما يمكن أن يفعله بإمكاناته وخبراته مع مرور الوقت.
سير شخصيات عالمية وعربية
ولعل هذا ما يجعل بعض السير المهنية أكثر إثارة للاهتمام من غيرها. فالشاعرة والكاتبة مايا أنجيلو لم تُعرف بالأدب وحده، بل جمعت بين الكتابة والفنون والتعليم والعمل الحقوقي. كما أن الروائية توني موريسون لم تكن روائية فحسب، بل كانت أستاذة جامعية ومحررة وكاتبة مقالات، في مسيرة يصعب اختصارها في تعريف مهني واحد. وفي عالمنا العربي تبرز تجربة الأميرة ريما بنت بندر بوصفها مثالاً لمسار تشكل عبر أدوار وخبرات متنوعة، امتدت من قطاع الأعمال والرياضة إلى العمل الدبلوماسي، وتتجاوز حدود التعريف المهني الواحد. ورغم تنوع هذه المحطات، فإنها توحي بأن الخبرات المختلفة لا تتنافس دائماً، بل قد تتكامل لتبني مساراً متماسكاً رغم تعدد أدواره ومراحله.
التشتت مقابل التنوع
لكن هذه الفكرة لا تخص الشخصيات المعروفة وحدها. وربما لا نحتاج إلى البحث بعيداً لنراها، فالكثير منا يعرف أشخاصاً بدأوا حياتهم في تخصص معين، ثم وجدوا أنفسهم بعد سنوات في مسار مختلف، أو جمعوا بين أكثر من دور في الوقت نفسه. وما يبدو للآخرين انتقالاً بين عوالم متباعدة، قد يكون في نظر صاحبه امتداداً لما بدأه من قبل. فالإنسان ليس مجرد التخصص الذي درسه، ولا الوظيفة التي بدأ منها، لأنه أحياناً يكتشف في نفسه ما هو أوسع مما ظنه في البداية. وما نتعلمه في مرحلة من حياتنا لا يبقى حبيس تلك المرحلة بالضرورة، بل ينتقل معنا ويظهر بأشكال مختلفة كلما اتسعت تجاربنا وتغيرت أدوارنا.
ومع ذلك، يبقى من المهم التمييز بين التشتت والتنوع. فالتشتت يجعل الإنسان ينتقل من فكرة إلى أخرى دون أن يبني شيئاً حقيقياً، أما التنوع فيسمح له بتوسيع خبراته وتجربة إمكاناته في أكثر من اتجاه، مع وجود خيط داخلي يربط بين هذه التجارب جميعاً، حتى وإن لم يكن واضحاً للآخرين.
وربما لهذا السبب يثير تعدد المسارات شيئاً من الحيرة أحياناً. فنحن نميل بطبيعتنا إلى البحث عن الإجابة الواحدة، والقرار الواحد، والطريق الواحد. ونشعر بالارتياح حين تبدو الأشياء واضحة ومستقيمة وقابلة للتنبؤ. لكن الحياة الإنسانية أكثر اتساعاً من ذلك، والإمكانات البشرية لا تظهر دائماً في صورة واحدة. فليست كل القصص قابلة للاختصار، وليست كل الإمكانات قابلة للحصر في دور واحد، كما أن بعض الناس أكبر من الإجابة الواحدة التي نحاول أن نعرّفهم بها. وربما لا يحتاج الإنسان دائماً إلى اختيار جزء واحد من نفسه ليمنح الأجزاء الأخرى حق الوجود.



