ظاهرة متلازمة السلطعون في بيئات العمل
يناقش المقال ظاهرة 'متلازمة السلطعون' في بيئات العمل، حيث يخشى بعض القادة من تميّز موظفيهم فيمارسون التهميش وبخل التمكين، مما يؤدي إلى استنزاف الكفاءات وفشل بناء صف ثانٍ قيادي. ويؤكد الكاتب أن الريادة المؤسسية تتطلب تبنّي 'الذكاء الجمعي' وكسر فوبيا المنافسة عبر حوكمة عادلة للأثر، وقنوات مفتوحة للمبادرات، ومكافأة ثقافة التعاون ونقل المعرفة.
ماهية متلازمة السلطعون
ربما تظن أن جميع إدارات الشركات تبحث عن المتميزين دائماً.. لكنك مخطئ تماماً! حينما يتحول نجاح الموظف إلى مصدر تهديد للمسؤول.. كيف نتخلص من فوبيا المنافسة لبناء صف ثانٍ يقود الصدارة؟
إذا كنت مثل الكثير من المحترفين والمبدعين الذين تقابلهم يومياً في الميدان، فغالباً قد مررت بهذه اللحظة الحاضرة في ذاكرتك: تبذل جهداً استثنائياً، تقدم فكرة تبتكر بها حلاً لمعضلة تشغيلية معقدة، وتتوقع أن تجد تصفيقاً أو تمكيناً، لتتفاجأ بـ 'جدار صامت' من التهميش، أو محاولات خفية لتقليم أظافرك المهنية وسحبك إلى الخلف.
في هذه اللحظة، يتملكك الذهول وتتساءل: لماذا تحاربني الإدارة وأنا أساهم في تحقيق مستهدفاتها؟
الحقيقة الصادمة التي يرفض الكثيرون مواجهتها هي أن معظم المنظمات والقيادات الجامدة تقع تحت تأثير عارض سلوكي غريزي يُعرف بـ 'متلازمة السلطعون' (Crab Mentality). هذه الظاهرة مستوحاة من سلوك السلاطعون في الوعاء؛ فلو وُضع سلطعون بحري واحد في وعاء مفتوح لخرج منه بسهولة، لكن حينما يوضع مجتمع منها في نفس الوعاء، وبمجرد أن يحاول أحدها الصعود للحافة ناصحاً البقية أو باحثاً عن النجاة، تسارع السلاطعون الأخرى بسحبه إلى القاع ليموت معها.
إن الفشل في بناء صف ثانٍ داخل المنشآت اليوم ليس خطأك ككفاءة لامعة، بل هو خطأ 'العقليات الخائفة' التي تدير الأعمال بعقلية الوعاء المغلق، وتظن أن بقاءها مشروط بإطفاء بريق الآخرين.
فوبيا المنافسة وحينما يصبح ذكاء الفريق 'عدواً' للمسؤول
إن 'متلازمة السلطعون' تنبت في تربة خصبة من فوبيا المنافسة وعدم الأمان النفسي والمهني لدى بعض كبار المسؤولين. عندما يرتقي موظف متميز في أدائه، ويمتلك مهارات سلوكية وتقنية تتجاوز السائد، لا يرى فيه المدير التقليدي 'أصلاً استراتيجياً' يدعم نجاح الإدارة، بل يراه 'بديلًا قادماً' يهدد كرسيه وهيبته. هنا، يتحول الابتكار من منجز يُحتفى به إلى قلق تنظيمي يدفع المسؤول للتحرك دفاعياً.
هذا الانحياز السلوكي المرضي يفسر لماذا يفشل بعض الأذكياء في القيادة؛ حيث يستهلكون طاقاتهم في مراقبة تحركات المبدعين وفرض ميكرو-مانجمنت خانق عليهم، بدلاً من استثمار عقولهم لتوسيع الشراكات. إنهم يخافون من بزوغ أي نجم قد يسرق الأضواء في غرف الاجتماعات أو أمام أصحاب المصلحة، فيتحول القائد من 'مُمكن' إلى 'سلطعون رئيسي' مهمته الأساسية الحفاظ على متوسط أداء باهت لا يبرز فيه أحد.
بخل التمكين وتكلفة 'الاستنزاف الصامت' للكفاءات
إن النتيجة الطبيعية لسيادة هذه المتلازمة هي انتشار بيئة عمل جافة تعاني من 'بُخل المعرفة' ومركزية القرار. يُجبر الموظف المبتكر على البقاء في ظلال التهميش، وتُحجم مساهماته الفعالة تحت ذريعة 'عدم الالتزام بالتسلسل الإداري' أو 'نقص الخبرة الزمنية'. هذا السلوك يمثل نموذجاً صارخاً لغرور الصواب، حيث يعتقد المسؤول أن حماية موقعه تقتضي إبقاء خيوط التشغيل كلها في يده وحده.
هذا التهميش الممنهج لا يقتل طموح الأفراد فحسب، بل يلحق بالمنشأة خسائر تشغيلية واستراتيجية فادحة. الكفاءات اللامعة لا تقبل العيش في وعاء يسحبها للأسفل؛ لذا، إما أن تختار هجرة هذه البيئات الطاردة بحثاً عن الإنصاف والتقدير، أو تدخل في حالة 'انطفاء صامت'، مما يحرم المنظومة من بناء 'بنية تحتية للأداء' قوية ومستدامة، ويجعل المنشأة عاجزة عن مواكبة لغة العصر ومتغيرات الأسواق.
حقيقة إدارية صادمة: المسؤول الذي يظن أن إضعاف فريقه يحمي بقاءه، هو قائد يكتب شهادة وفاة مسيرته المهنية؛ فالقائد الحقيقي لا يُقاس حجم تميزه بعدد الذين يتبعونه في صمت، بل بعدد القادة الذين يصنعهم ويمنحهم منصات الطيران نحو الصدارة.
المنهج النبوي والتحول نحو 'الذكاء الجمعي'
إذا تأملنا التاريخ البشري، نجد أن التميز المستدام والريادة الحقيقية لا تصنعها القرارات المنفردة، بل يصنعها 'الذكاء الجمعي' والتمكين الجريء. إن المنهج النبوي الشريف قدم للعالم أسمى دروس القيادة التكيفية وأنسنة الإدارة؛ حيث لم يخشَ النبي ﷺ يوماً من بروز كفاءات أصحابه، بل كان يكتشف مواهبهم ويضع كل عبقرية في مكانها الصحيح. لقد منح الثقة والمسؤولية لأسامة بن زيد ليقود جيشاً فيه كبار الصحابة رضي الله عنهم، وأبرز عبقرية خالد بن الوليد، فخرج جيل من القادة الذين صنعوا تاريخاً عابراً للأجيال.
في ظل التحول الوطني الكبير الذي تعيشه المملكة العربية السعودية تماشياً مع مستهدفات رؤية 2030، تتبنى المنشآت الرائدة اليوم هذا المفهوم من خلال حوكمة العمليات والأنظمة وفق أعلى المواصفات العالمية. الريادة الحديثة تتطلب قادة يمتلكون التواضع المعرفي الذي يجعلهم يرون في تميز فريقهم تميزاً لشخصهم، ويدركون أن السمعة المؤسسية تكتسب قوتها وثباتها من تماسك المنظومة بأكملها وليس من لمعان الفرد الأوحد.
كيف نكسر الوعاء ونبني بيئة للتمكين والاستدامة؟
إن الانتقال بالمنظمات من بيئة 'السلطعونات' إلى بيئة 'الصقور' يتطلب شجاعة سلوكية وإعادة هندسة شاملة لثقافة العمل وثقافة نقد الذات. لا يمكن بناء إرث تنظيمي مرن إذا ظل التقييم خاضعاً لأمزجة المديرين الخائفين من المنافسة. يجب مأسسة قنوات الاتصال والشفافية عبر أنظمة ذكية تقيس القيمة المضافة والأثر الفعلي لكل موظف بإنصاف تام ووضوح لافت للجميع.
عندما يشعر المحترف أن المنظومة تحميه، وتقدر مبادرته، وتوفر له الأمان ليتعلم ويقود، يتلاشى منسوب القلق التنظيمي. يتحول الميدان من ساحة للصراعات الهامشية وإطفاء طاقات الآخرين، إلى سيمفونية من العطاء المتجدد حيث يدفع القائد فريقه نحو الحافة ليتجاوزوه في المهارة، ثقةً منه بأن نجاحهم هو النجاح الحقيقي الذي يضمن الصدارة والريادة المستدامة التي تليق بطموح وطن يسير بثبات نحو المستقبل.
كتيب التشغيل: 3 خطوات حاسمة لتطهير منشأتك من 'متلازمة السلطعون' اليوم
- استبدال معايير التقييم التقليدية بحوكمة الأثر: اجعل جزءاً كبيراً من تقييم المسؤول الأعلى مرتبطاً بـ 'مدى نجاح وتمكين الصف الثاني وتطوير كفاءاتهم'، لتتحول صناعة القادة إلى مصلحة مباشرة للمدير بدلاً من كونها مصدر تهديد.
- تأسيس قنوات 'المبادرات العابرة للمركزية': اصنع منصات وقنوات مفتوحة تسمح للموظفين المتميزين بتقديم أفكارهم وحلولهم الإبداعية مباشرة للجان الاستراتيجية، لمنع السلاطعين من حجب المعرفة أو دفن المبادرات الواعدة في الأدراج.
- مكافأة ثقافة التناغم ومحاربة الاحتكار العملياتي: اجعل التقدير العلني والمكافآت من نصيب الفرق التي تبدي مرونة عالية في نقل الخبرة وتوسيع الشراكات، وافرض رقابة استباقية صارمة تكشف وتستبعد القيادات الجامدة التي تمارس التهميش.
خاتمة
عزيزي المسؤول.. عزيزي القائد الطموح.. كراسي القيادة محطات عابرة، والإرث الحقيقي الذي تتركه وراءك ليس حجم القرارات التي وقعتها بيدك المنفردة، بل حجم القادة المخلصين الذين تركتهم خلفك يواصلون المسيرة بروح مرنة وشغف متقد. فلا تكن ذلك السلطعون الذي يجر فريقه نحو القاع ليحافظ على بقائه الزائف.
كن القائد الرصين الذي يكسر وعاء الخوف، يبث الطمأنينة والوضوح، ويفتح النوافذ لتطير عقول موظفيك خارج حدود المألوف؛ واجعل من منشأتك واحة ينمو فيها الإبداع بكل إنصاف، لتظل حاضراً بأثرك، فخوراً بنتاج غرسك، وشاهداً على ريادة وطن لا يرتضي إلا القمة مسكناً وصدارة.
تذكر دائماً: 'هيبتك القيادية لا تأتي من إضعاف من حولك لتبدو عملاقاً، بل من قدرتك على رفع فريقك ليلامس السحاب؛ فالمنظمات العظيمة هي التي تصنع من كفاءاتها اللامعة نجوماً تضيء سماء صدارتها، بينما المنشآت الجامدة تبقى غارقة في عتمة الوعاء'.
أحمد علي العمودي - خبير استراتيجي، مستشار تطوير الأعمال



