رمضان بين التراويح وماراثون المسلسلات: استعادة الروحانية في زمن الاستهلاك
في عصر يتسم بالتسارع الرقمي والانشغال الدائم، يبرز رمضان كشهر مقدس يحمل في طياته دعوة للصوم والتأمل، لكنه يواجه تحديًا كبيرًا مع تحوله لدى الكثيرين إلى موسم للمسلسلات والاستهلاك المفرط. يقول الكاتب ياس خضير البياتي: "جوهر رمضان لا يقتصر على صوم البطن، بل يمتد إلى صوم العقل عن الشتات"، مشيرًا إلى أن الشهر الكريم أصبح وقفة أمام أنواع من الاستبداد الخفي الذي يتجاوز مجالات السياسة ليطال تفاصيل الحياة اليومية.
الاستبداد الخفي: من هوس الطعام إلى سباقات الدراما
منذ بداية الرسالة الإسلامية، تحول رمضان من مجرد تاريخ في الجدول الزمني إلى منصة للثورة ضد "استبداد المعدة"، حيث ينتقد الكاتب الهوس بالطعام وسباقات المطاعم وزحام الموائد التي تتجاوز قدرة القلوب. ومع ذلك، فإن التحدي لم يعد محصورًا بالطعام فحسب، بل امتد ليشمل تحول رمضان في تناقض مؤلم إلى شهر مخصص للمسلسلات بشكل واضح.
تخوض العائلات منافسة في متابعة الأعمال الدرامية، وتعيد تنظيم حياتها لترتبط بمواعيد العرض، حتى إن بعض الأسر تعود من الصلاة والتراويح لتجلس أمام الشاشات كما لو أن الطمأنينة تُستكمل بمشاهدة حلقة جديدة. تُختتم الأدعية، لتبدأ الفواصل الإعلانية، ينخفض صوت القرآن، ويرتفع صدى الدراما، وكأننا نستبدل سكينة الصلاة بضجيج القصص.
جوهر رمضان: صوم العقل والإيثار الحقيقي
ليس القصد هو إلغاء الفرح أو تجاهل الحاجة إلى الترفيه، لكن السؤال يتجاوز ذلك: هل أصبح الشهر الذي أُنزل فيه القرآن هو موسم للمتابعة المستمرة، بدلاً من كونه فترة للتأمل الذاتي؟ جوهر رمضان يقتضي امتناعًا عن النميمة كما عن الطعام، وعن الكذب كما عن الماء، وعن جلد الآخرين في المقاهي والمساجد كما عن الشهوات. إنه تربية على ضبط النفس قبل تنظيم ما حولنا، وعلى تهذيب الكلام قبل تهذيب الأجساد.
ومن المفارقات أن الشهر الذي يُفترض أن يوحد الأمة حول معنى موحد، يكشف أحيانًا عن تشتت الأنظمة وضيق بعض رجال الدين حين يختلفون في تحديد بدايته ونهايته. يتباعد الناس في بداية الشهر، وكأن التباين في رؤية الهلال يعبر عن سلطة بدلاً من كونه مجالًا للاجتهاد، بينما يردد القرآن: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا".
الدروس التاريخية: من انتصارات رمضان إلى بناء الحضارة
في تاريخنا إشارات واضحة لمن يرغب في التأمل. بدأت فتوحات الإسلام في رمضان، حين انتصر المسلمون بدرًا جياعًا أمام جيشٍ مشبع، لأن الصيام بنى فيهم وحدة الروح قبل قوة السيوف. ثم فُتحت القسطنطينية في رمضان، فكان السلطان محمد الفاتح يقول: "نحن نصوم فننتصر، وهم يأكلون فينهزمون"، وفي الأندلس ازدهرت العلوم في ليالي رمضان، حيث كانت بغداد والقاهرة تُضيء بقراءة القرآن والعلم، لا ببذخ الولائم.
لم تكن الانتصارات العظيمة ناتجة عن بطون ممتلئة، بل عن نفوس منضبطة. عندما كان رمضان منصة لبناء الإنسان، استطعنا بناء حضارة. الدرس الحقيقي في رمضان هو الإيثار: أن تشعر بجوع الفقراء بدلاً من مضاعفة مشترياتك، وأن ترى في الصائم الآخر أخًا وليس خصمًا.
الواقع المعاصر: بين التفاخر والصدق الخفي
أصبح شهر رمضان بالنسبة إلى بعض الأفراد وقتًا للتفاخر بدلاً من أن يكون موسمًا للتنقية الروحية، حيث يتم التقاط صور في الصفوف الأمامية، وتتكرر إعلانات حضور صلاة التراويح كما تُعلن الإنجازات. ثم تخف الأضواء ليتجلى جانب آخر لا يراه أحد: يُرفع شعار "نحن صائمون" في العلن، بينما يُساء استخدام حقوق الضعفاء في الخفاء.
بالمقابل، قد تجد من لا يرفع أي شعارات ولا يمتنع عن الطعام، لكنه يزور الأيتام بصمت ويترك لهم ما يكفي من الطعام قبل أن يغادر. اختلطت المعايير، وضاع معنى العبادة عندما تحولت إلى استعراض على وسائل التواصل بدلاً من أن تكون توبةً تعالج القلوب. رمضان لا يُقاس بمدى الحضور بل بصدق النوايا، ولا يُختبر أمام كاميرات، بل في لحظات الاختيار التي لا يراها إلا الله.
استعادة الروحانية: طريق نحو المعنى الحقيقي
اليوم، يتعين علينا استعادة روحانية هذا الشهر. يجب أن نحرره من الاستهلاك المفرط، ومن التسييس الضيق، ومن النزاعات السطحية، ونعود به إلى وظيفته الأصلية، إعادة ترتيب الأولويات. ليس المطلوب أن نتجنب الشاشات تمامًا، بل يجب ألا نغلق قلوبنا. وليس المقصود حرمان أنفسنا من الترفيه، بل علينا ألا ندع الترفيه يسرق جوهر هذا الشهر الكريم.
ليست السيادة شيئًا يُقدَّم على المائدة، ولا برنامجًا يُعرض بعد التراويح، بل هي نورٌ يتسلل إلى القلب عندما ينتصر على رغباته، وسكينة تنشأ عندما نختار المعنى بدلاً من الفوضى. عندما تُسأل: أين تكمن القوة؟ فأجب بأن القوة تكمن في قلب يمتنع عن الأذى قبل الامتناع عن الطعام، ويتحد على الخير قبل أن يختلف حول الهلال، فتسمو روحه وتستقيم.