لقاء صدفة في المستشفى يعيد اكتشاف قيمة الصمت والهدوء
لقاء صدفة يعيد اكتشاف قيمة الصمت

التقيت صدفة بزميلة قديمة أعادتها الأقدار إلى طريقي في ردهات المستشفى، حيث تتشابه الوجوه وتختلف الحكايات. جلسنا متجاورتين نقتطع من صمت الانتظار كلمات خفيفة، نتبادل أطراف الحديث كما لو أننا نحاول استعادة شيء من زمن مضى، دون أن نثقل اللحظة بما لا تحتمل. كان اللقاء عابرا كنسمة تمر في ممرات الذاكرة.

لحظة مفاجئة

وحين هممنا بالرحيل، فاجأتني بما لم يكن في الحسبان. أمسكت بيدي، نظرت إلي بعينين تحملان صدقا نادرا، وقالت: "فوزية، أنت إضافة جميلة لكل من يعرفك، ولكنك صامتة طوال الوقت." توقفت عند كلماتها كما يتوقف المسافر عند مفترق طرق لا يدري أيها يقوده إلى نفسه. لم أجد ردا يليق بنبل عبارتها، ولا جملة تستطيع أن تحتضن ذلك الامتنان المفاجئ الذي أربكني، فاكتفيت بما أجيده حين تعجز الكلمات، شددت على يدها بلطف، وتركت للصمت أن يقول ما لم أستطع قوله.

كان ذلك تعبيرا صادقا بلغتي الخاصة. فبعض الامتنان لا يقال بل يُشعر. وبعض الردود، مهما كانت بليغة، لا توازي دفء نظرة أو صدق لمسة. عدت بعدها أفكر، كيف يمكن لإنسان أن يكون "إضافة" وهو لا يقول الكثير؟ كيف يرى أثره رغم أنه لا يسعى لأن يُرى؟

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

تأملات في الصمت والحضور

نحن لا ننتبه غالبا إلى أثرنا في الآخرين، ولا نحصي عدد المرات التي مررنا فيها بخفة على قلوبهم، فتركنا فيها أثرا لا يُرى ولكنه يحس. ربما لأن القيمة الحقيقية لا تحتاج إلى ضجيج لتثبت وجودها، وربما لأن بعض الأرواح تحمل في هدوئها ما يفوق ما تحمله الكلمات في صخبها.

لم يكن صمتي يوما فراغا، بل كان مساحة ممتلئة بكل ما لا يقال. أنا لا أهرب من الحديث، لكنني لا أستعجل البوح. أراقب أكثر مما أتكلم، وأصغي أكثر مما أشرح، وأؤمن أن في الإنصات نوعا من العطاء لا يقل شأنا عن الكلام. فليس كل حضور يقاس بعدد الكلمات، ولا كل صمت يعني غيابا.

الإضافة الحقيقية

أما كوني "إضافة"، فذلك أمر لم أسع إليه بقدر ما جاء كنتيجة لخيارات بسيطة: أن أكون لطيفة حين يكون التجاهل أسهل، أن أبتعد عن المعارك التي تستنزف الروح، أن أترك في كل مكان أثرا خفيفا يشبهني دون أن أفرض نفسي على أحد. لعل الجمال الحقيقي في الإنسان هو ذلك الذي لا يتكلف، الذي يأتي عفويا كضوء يتسلل من نافذة مفتوحة دون استئذان.

لم تغرني الأضواء، ولا أجد نفسي في زحام الظهور. أفضل الهامش، حيث الهدوء الذي يشبهني، حيث أستطيع أن أكون كما أنا دون حاجة إلى تبرير. ففي الهامش، تكتب الحكايات الصغيرة التي لا يلتفت إليها أحد، لكنها تبقى الأصدق والأقرب إلى القلب.

مرآة الصدق

تلك العبارة التي قالتها لم تكن مجرد مجاملة عابرة، بل كانت مرآة أرتني جانبا من نفسي لم أتأمله من قبل. أدركت أن الصمت قد يكون لغة، وأن الهدوء قد يكون حضورا، وأن الإنسان يمكن أن يكون مؤثرا دون أن يرفع صوته. وربما في النهاية لسنا بحاجة لأن نشرح أنفسنا كثيرا... يكفي أن نكون حقيقيين. فالحقيقة، مهما كانت هادئة، تجد دائما من يصغي إليها.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي