ما زال الكاتب عبده خال يعاني من أرق مزمن يبعده عن النوم الهادئ، ويحول لياليه إلى رحلات متتالية بين الكتب والأفلام بحثاً عن الاسترخاء، لكن الكتب والأفلام العميقة توقظ العقل بدلاً من تهدئته. وقد كتب مقالاً سابقاً ذكر فيه فوائد البقاء مستيقظاً، وفي هذا المقال يعود ليوثق معاناته مع الأرق التي أبقتنه أشبه برجل العسّة في آخر الليل، حيث كل شيء نائم إلا هو.
البحث عن سلوى في الأدب الروسي
في الأيام السابقة، بحث عبده خال عن أي سلوى لتمضية الوقت البطيء جداً، فقرأ وشاهد وسمع، لكنه لم يرتقِ سلالم النوم. كل صباح يأتي بارداً فاتراً. كان يظن أن مباريات كأس العالم ستخطف الوقت وتجعل عقارب الساعة تجد في السير، إلا أن بعضها جعل الأرق محفزاً لمتابعتها.
تنتاب عبده خال هذه الحالة بين وقت وآخر، وكلما داهمتنه بحث عن سلوى مستحدثة. ولأنه ينام على مراتب الماضي، لم يجد خيراً من الاقتعاد هناك. في كل مرة تعاوده الحالة، يعود إلى كلاسيكيات الأدب الروسي، وتحديداً الطلقات القصصية لتشيخوف، والأعمال العظيمة لدوستويفسكي، مروراً بتولستوي وبوشكين وإيفان بونين. وفي كل مرة يعود إلى قصة (المعطف) لغوغول، تلك القصة التي قيل إن جميع القصاص خرجوا من ذلك (المعطف).
العودة إلى زمن السكون
يعود عبده خال إلى الخلف ليعيش قبل قرن ونصف، حيث كان البؤس حاضراً، والانكسارات الاجتماعية حاضرة، والحزن الشخصي حاضراً. كل متناقضات الإنسان تبقى على ما هي عليه في أزمان مختلفة. ومع كل هروب، يجد أن الزمن لا يزال متأخراً. ولأنه راغب في البقاء في الماء (زمن السكون)، انتقل لمشاهدة المسلسلات القديمة (أبيض وأسود)، وأغاني العمالقة وحوارات كبار الكتّاب. فإذا بكل الانكسارات هي هي، ولأن الدائرة الزمنية لم تكتمل في دورتها، بقي الحال على ما هو عليه. ولهذا ما زال يعيش بين تفاصيل حكايات تلك المسلسلات القديمة التي أبقت الإنسان حجراً.
الحب الصادق هو الحل
أيقظ عبده خال في سلوة الماضي شره استهلاك المشاعر الباردة، وادعاء البعض أن زمن المشاعر الصادقة قد ولّى. وهذا الادعاء كاذب كذباً صريحاً، إذ إن الله لا يترك خلقه مسيّرين بكذب العاطفة. ويقول: "صدقاً أقول: لكم الحب الصادق أينما كنتم". ويتساءل: "لماذا لا نبث رسائل الحب بدلاً من نفث الكره؟"
أحد الأصدقاء المتعثرين في علاقاته لام عبده خال على نشر مشاعر الحب بكثافة، نافياً وجود هذه المشاعر. لكن عبده خال يثبت له ولمن هم على شاكلته: "علينا أن نعلم أن الله خلق الكون بالحب وليس بالبُغض، ومن غير الحب لا نصل إلى الله".



