تحول العزاء إلى مناسبات صاخبة: بدعة اجتماعية تهدد حرمة الموت
تحول العزاء إلى مناسبات صاخبة: بدعة اجتماعية

ينتقد الدكتور خالد بن محمد الشبانة في مقاله تحول بعض مجالس العزاء من مواطن حزن واعتبار ودعاء للميت إلى مناسبات اجتماعية صاخبة يغلب عليها التصوير والولائم والمباهاة واستعراض الوجاهة على حساب حرمة الموقف وصدق الحزن. ويطرح الكاتب مجموعة حلول لإعادة العزاء إلى مساره الشرعي والإنساني، من أبرزها: منع الولائم الكبيرة، حظر التصوير والبث، تقليص مدة استقبال المعزين، توجيه النفقات إلى الصدقات الجارية للميت، وتكثيف الدور التوعوي للمنابر ووسائل الإعلام في بيان آداب الجنائز والعزاء.

الموت: حقيقة تهتز لها النفوس

عندما يموت من نحب، نحزن حزناً عميقاً بحسب قربه ومستوى العلاقة معه. فالموت هو الحقيقة التي تهتز لها النفوس، وتتزلزل لعظمتها القلوب، وتحزن لها النفوس الصادقة. ولا زال الموت في المجتمعات الإنسانية عموماً وفي الإسلامية خصوصاً حدث جزع وفزع وفقد وحزن، وفي نفس الوقت باعثا وزاجرا وواعظا للتدبر والاعتبار والعظة والتوبة، وبدء المسؤولية في البر والإحسان والوفاء للميت بالعمل الصالح الذي يُهدى له من الدعاء وغيره مما وردت به السنة.

العزاء التقليدي: صمت ووقار وحزن عميق

كان من عادة أهلنا ولا يزالون؛ يجلسون مع أهل الميت لمواساتهم ومشاركتهم مصابهم الأليم في صمت ووقار وحزن عميق ودمع صادق حتى يسلون وينسون نسيان الإنسان وتبدأ حياتهم بالاستئناف. ولكنك تصدم وتتفاجأ اليوم بمن تحول في الجلوس للعزاء تحولاً غريباً ممجوجاً مكروهاً؛ حيث انسلخت السنن النبوية في آداب العزاء من توديع الميت والدعاء له وذكر محاسنه ومآثره وأعماله الصالحة، ومن مشهد يعتصره الحزن وهيبة الموت وسطوته، إلى احتفالٍ فاضح فاضخ فاسخ، يستقبلون المعزين بالفرح المخفي من خلال التصوير والنشر المباشر وتقديم القهوة وتقديم الولائم بالـ"المفاطيح والحلى" مفاخرة وفخراً وهياطاً وغفلة عن حقيقة الاجتماع، ولسان حال المتوفى: هل فرحتم وأكلتم من تجمعكم لاستقبال المعزين؟؟.

بانر عريض لتطبيق Pickt — قوائم تسوّق تعاونية عبر تيليجرام

الانحراف عن جادة الصواب: غياب الوقار وتحول الجلسات إلى نوادٍ دنيوية

في هذه الحالات المنحرفة عن جادة الصواب؛ يغيب الوقار الذي فرضه الموت، وتتحول الجلسات إلى نوادٍ مفتوحة للأحاديث الدنيوية؛ هذا يتحدث عن تجارته، وذاك يناقش أسعار العقار والمال، وآخرون ينخرطون في ضحكات هامسة تقطع جلال الموقف. ونسوا: "كَفَى بِالْمَوْتِ وَاعِظًا"، فترى صور المصافحات والابتسامات العريضة وكأن العائلة تحتفل حتى يزل لسان أحيانا: "فرصة سعيدة أو الساعة المباركة شفناكم"؟!! إن هذه الحالة الاجتماعية تعكس خللاً اجتماعياً ونفسياً مقلقاً؛ حين يُمحى الحزن الحقيقي ليحل محله "استعراض الوجاهة الزائفة الجوفاء"!!. إنهم يشترون الثناء والوجاهة الاجتماعية على حساب الفقيد وألم فقده.

بانر بعد المقال Pickt — تطبيق قوائم تسوّق تعاونية مع رسم توضيحي عائلي

حلول لإعادة العزاء إلى مساره الشرعي والإنساني

إن اقتلاع هذه البدعة الاجتماعية المحدثة من قليل من الناس، وإعادة شعور العزاء إلى مساره الشرعي والإنساني السليم يتطلب تظافراً مجتمعياً، وعلاجاً حاسماً ينطلق من التالي:

أولاً: حزم كبار الأسرة والقدوات في المجتمع

يجب على كبار العائلة وعقلائها الاتفاق مسبقاً وبشكل حازم على منع إقامة الولائم الكبرى (المفاطيح) في مآتمهم، والاكتفاء بطعام يسير يصنعه الأقربون لأهل البيت تسكيناً لجوعهم وعزائهم، مع إغلاق الباب تماماً أمام المظاهر الفاضخة الفاضحه والمضادة لآثار الفقد والحزن المستوجب ترديد الدعاء للميت وتذكر محاسنه.

ثانياً: التوقف الصارم عن التصوير والبث

يجب منع دخول المصورين أو استخدام الهواتف لتوثيق مجريات العزاء. وتوجيه لافتة صريحة لكل معزٍ بـمراعاة خصوصية وهيبة الموقف، فالعزاء مواساة لقلب مكسور، وليس محتوىً رقمياً يُبث لزيادة المشاهدات وتشهير لورثة الميت على حساب وقار حضرة الموت.

ثالثاً: تشريع "عزاء الساعات" واختصار الأيام

تغيير النمط الزمني للعزاء يساهم في وأد المظاهر؛ فالاكتفاء باستقبال المعزين لـمدة ساعتين أو ثلاث ساعات في المساء فقط (أو الاكتفاء بالتعزية في المسجد والمقبرة وعبر وسائل التواصل والاتصال)، يغلق الباب أمام تحول مجلس العزاء إلى نادٍ دنيوي للأحاديث الجانبية والضحكات الهامسة وبث الصور للشهرة والتفاخر.

رابعاً: توجيه الأموال المهدورة إلى صدقة جارية

تُوجّه الأموال التي كانت تُنفق على مظاهر العزاء المخالفة إلى "صدقة جارية" للميت بأن تُوجّه نظامياً عبر المنصات الرسمية (مثل منصة إحسان) صدقة جارية باسم الميت (سقيا ماء، بناء مساجد، كفالة أيتام)؛ فهذا هو البر الحقيقي والوفاء الخالص الذي يصل إلى قبره وينفعه.

خامساً: الدور التوعوي للمنابر والتعليم

تأصيل الهدي النبوي في آداب الجنائز عبر خطب الجمعة، والبرامج الإعلامية، والمجالس الاجتماعية، لـتذكير الناس بآداب تشييع الجنائز وحضور العزاء مع أهل الميت بأن العزاء عِظة واعتبار، وتسكين وتذكير بأن الطريق للأحياء واحد: حياة ثم موت ثم بعث ونشور ثم جنة أو نار.

موقف الصحابة: عبرة وعظة

رأى عبد الله بن مسعود رضي الله عنه رجلاً يضحك في جنازة فقال: أتضحك وأنت مع جنازة؟ والله لا أكلمك أبداً. اللهم أحسن خاتمتنا، وأصلح أحوالنا، وأجرنا من عذاب الدنيا وخزي الآخرة.