صراع الأهداف في سوق المال السعودي: توسيع السوق مقابل ضمان الجودة
في عالم الأسواق المالية، قد تتحد الأهداف بين الأطراف المختلفة، لكن الطرق لتحقيقها تتعارض أحياناً، مما يخلق تحديات كبيرة. على سبيل المثال، هيئة سوق المال السعودية ترحب بطرح أي شركة مساهمة جديدة في السوق، وذلك لتحقيق أهداف استراتيجية تشمل توسيع قاعدة السوق وتنويع نشاطاتها، وجعل السوق السعودية سوقاً كبيرةً من حيث الرسملة. هذا الحق مشروع للهيئة، خاصةً وأنها وضعت ضوابط صارمة للطرح، بحيث لا يُسمح إلا للشركات التي تلتزم بهذه المعايير بالإدراج.
أهداف الملاك وتحديات الطرح
من جهة أخرى، هناك مُلّاك الشركات الراغبون في الطرح لأسباب متعددة، مثل إطالة عمر الشركة، وإيجاد طريقة لتخارج الشركاء دون إلحاق أضرار بالشركة. على سبيل المثال، إذا اختلف شريك مع شريكه، يمكنه البيع دون اللجوء إلى إجراءات متطرفة مثل التصفية، مما يحافظ على استقرار الكيان التجاري.
حتى الآن، تسير الأمور بشكل طبيعي بين طرفي هذه المعادلة، لكن هيئة سوق المال السعودية تضع أنظمتها في محاولة لضبط الأمور وتحديد سعر الطرح العادل للسهم. في المقابل، يهدف بعض الملاك إلى تحقيق السعر الأعلى للسهم لزيادة أرباحهم، وقد يلجأ البعض، ونؤكد هنا على أنهم قلة، إلى مكيجة ميزانيات شركاتهم قبل الطرح.
مشكلة الميزانيات المزيفة وفقدان الثقة
نتيجة لذلك، نجد أن بعض الشركات تظهر ميزانيات عالية الربحية قبل الطرح، لكنها بعد الإدراج في السوق إما تظهر ميزانيات منخفضة الربحية بشكل كبير، وإما تظهر خسائر فادحة. هذا الأمر يُلحق الضرر بالمساهمين، ويؤدي إلى فقدان الثقة بين المتعاملين في السوق بشكل عام، أو على الأقل يفقدهم الثقة في الطروحات الجديدة، حتى لو كانت بعضها جيدة ومستقرة.
الغريب في هذا السياق هو عدم ظهور ملاك الشركات الأساسيين لتبرير هذه الخسائر أو ذكر أسبابها، سواء كانت مؤقتة أو ناتجة عن ظروف سوقية أو بسبب المبالغة في الطرح. هذا الغموض يثير تساؤلات حول إمكانية محاسبة من قاموا بإعداد قوائم الميزانيات قبل الطرح، سواء كان المراجع الداخلي للشركة أو المراجع الخارجي.
التأثير على ثقة المستثمرين والحلول الممكنة
ما بين الرغبة في توسيع قاعدة السوق وبين خسائر الشركات المدرجة حديثاً، التي لم تكن في المستوى المطلوب، تنشأ مرحلةُ عدم الثقة في الطروحات الجديدة. خصوصاً إذا لم يظهر تبرير منطقي لتراجع الأرباح أو تحقيق الخسائر، نحن نعرف أن هذه سوق ومن غير المنطقي أن تستمر الأرباح طول الوقت، وأن الشركة قد تمر بحالة تراجع، ولكن عدم تبرير هذا الموقف بشكل واضح وجلي يجعل المتداولين في حالة شك كبير بأن هذه الميزانيات قبل الطرح مرت بعملية مكيجة، وهذا أمر غير مقبول إطلاقاً، لأنه يفقد الثقة في السوق التي نسعى جميعاً لجعلها كفوءة.
لذلك، على هيئة سوق المال السعودية أن تزيد من ضوابط الإدراج لمنع دخول الشركات الهشة إلى السوق، حتى لا نجد عزوفاً عن الطروحات الجديدة. من غير المنطقي أن تكون الشركة تحقق أرباحاً متناسبة مع قيمة الطرح، وحين تدخل للسوق تبدأ بمسلسل الخسائر، إلا إذا كان هناك تحسين للميزانيات قبل الطرح.
نحن نريد سوقاً كفوءة يثق بها المتعامل، لذلك علينا التفكير بضوابط جديدة تضمن جودة الطرح وتزيد الثقة في السوق. هذا يتطلب تعاوناً بين جميع الأطراف لبناء نظام مالي قوي ومستقر، يحمي مصالح المستثمرين ويعزز النمو الاقتصادي في المملكة العربية السعودية.



