هولندا تتبنى أسبوع عمل 4 أيام: نجاحات وتحديات أمام استمراره
هولندا وأسبوع العمل 4 أيام: نجاحات وتحديات الاستمرار (16.02.2026)

هولندا تتبنى أسبوع عمل 4 أيام: نجاحات وتحديات أمام استمراره

تبنت هولندا نظام العمل لأربعة أيام فقط في الأسبوع بهدوء، مما أثار تساؤلات حول أثره على الاقتصاد والمجتمع، وإمكانية استمراره في المستقبل. يقول غافين آرم، المؤسس المشارك لشركة Positivity Branding في أمستردام: "أطفالك يكونون صغاراً لمرة واحدة فقط. معظم الناس، إذا كانوا يديرون شركة، يُكرّسون أنفسهم لها ويعملون بجدٍّ لتحقيق النجاح، لكنهم قد يندمون لاحقاً على تفويت لحظات مهمة مع أطفالهم. لا نريد أن نكون كذلك".

تجربة شركة Positivity Branding: العمل بذكاء لا بجهد أكبر

يتحدث آرم في مكتب شركته المريح في حي "دي بايب" النابض بالحياة في أمستردام، حيث تقدم الشركة استشارات للعلامات التجارية. قبل سبع سنوات، قام آرم وزميله بيرت دي ويت بتحويل نظام العمل إلى أربعة أيام أسبوعياً، دون تخفيض الرواتب أو زيادة ساعات العمل اليومية، ليصبح إجمالي الساعات 32 ساعة أسبوعياً. يرفض دي ويت فكرة أن الموظفين يبذلون جهداً أقل، قائلاً: "كان التوازن بين العمل والحياة هو جوهر الأمر. العمل بذكاء لا بجهد أكبر هو المفتاح. في بلدان أخرى، قد يقضون وقتاً طويلاً في العمل، لكن ذلك لا يعني إنتاجية أعلى. تغيير الثقافة وطريقة التفكير هو التحدي الأكبر".

انتشار النظام في هولندا ودعم النقابات

أصبح العمل لأربعة أيام في الأسبوع شائعاً في جميع أنحاء هولندا، حيث تبنته حتى أكبر الشركات. يعمل الموظفون الهولنديون بمعدل 32.1 ساعة أسبوعياً، وهو الأدنى في الاتحاد الأوروبي، مقارنة بمتوسط 36 ساعة. في الوقت نفسه، لا يزال الناتج الاقتصادي الهولندي، أو نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي، من بين الأعلى في أوروبا، مما يتحدى الافتراض بأن الدول الغنية تحتاج لساعات عمل طويلة للحفاظ على قدرتها التنافسية.

تقول ماريك بيبرس، رئيسة قسم الموارد البشرية في شركة البرمجيات Nmbrs: "نحب أن نمنح أنفسنا وقتاً للراحة. أفضل الأفكار تأتيني عندما أتمشى مع كلبي". تأخذ بيبرس إجازة يوم الجمعة أسبوعياً، وتشير إلى أن تحول الشركة لنظام الأربعة أيام أدى إلى انخفاض حالات مرض الموظفين وارتفاع معدل بقائهم. لكنها تضيف أن الفكرة واجهت صعوبات في البداية، حيث كان على الشركة إقناع المستثمرين والموظفين المتشككين.

تحديات اقتصادية وسكانية تهدد الاستدامة

رغم النجاحات، تحذر دانييلا غلوكر، الخبيرة الاقتصادية في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، من أن إنتاجية هولندا العالية لم تشهد نمواً خلال الخمسة عشر عاماً الماضية. تقول: "إذا أراد الهولنديون الحفاظ على مستوى معيشتهم، فعليهم زيادة الإنتاجية أو زيادة المعروض من العمالة". هذا يعني ضرورة إنتاج المزيد من السلع والخدمات خلال أيام العمل، أو دخول المزيد من الأشخاص إلى سوق العمل، ربما عبر الهجرة.

تعد هولندا الدولة ذات أعلى نسبة من العاملين بدوام جزئي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، حيث يعمل ما يقرب من نصف الموظفين بدوام أقل من الكامل. تشجع الأجور المرتفعة والنظام الضريبي الأسر على التضحية بالدخل مقابل الوقت. تشير تحليلات الحكومة إلى أن ثلاثة من كل أربع نساء وواحد من كل أربعة رجال يعملون أقل من 35 ساعة أسبوعياً.

دور النساء والفجوة بين الجنسين

إحدى طرق زيادة المعروض من العمالة هي تشجيع المزيد من النساء الهولنديات على العمل بدوام كامل. بينما يُعدّ توظيف النساء مرتفعاً، فإن أكثر من نصفهن يعملن بدوام جزئي، أي ما يُقارب ثلاثة أضعاف متوسط منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. يشكل الحصول على رعاية أطفال بأسعار معقولة عائقاً رئيسياً، كما أن النظام الضريبي المعقد قد يُثني الناس عن العمل لساعات أطول.

يشير بيتر هاين فان موليجن، من مكتب الإحصاء الهولندي، إلى "نزعة محافظة مؤسسية" في المجتمع الهولندي تُشكل عائقاً أمام مشاركة المرأة. وجدت دراسة عام 2024 أن واحداً من كل ثلاثة أشخاص في هولندا يعتقد أن الأمهات، اللاتي لديهن أطفال صغار جداً، يجب ألا يعملن أكثر من يوم واحد أسبوعياً. تقول إيفيت بيكر، من اتحاد نقابات العمال الهولندية، إن أسبوع العمل لأربعة أيام يمكن أن يُساهم في تقليص الفجوة بين الجنسين، إذ "يزداد الإنتاج مع انخفاض معدلات التغيب عن العمل".

آراء الخبراء والمستقبل

يقول نيكولاس غون، الخبير الاقتصادي في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية: "الهولنديون أغنياء ويعملون ساعات أقل، لكن السؤال هو: إلى أي مدى يُمكن استدامة هذا الوضع؟ لا يُمكن تحقيق الكثير مع عدد قليل من العمال. ما نراه هو أن هولندا تواجه قيوداً من جميع الجوانب، والحل الأمثل هو زيادة المعروض من العمالة".

بالعودة إلى شركة Positivity Branding، يقول دي ويت إن تقليص أسبوع العمل لأربعة أيام يجعل العمل "أكثر جاذبية"، خاصة في القطاعات التي تعاني من نقص في الكوادر، مثل التعليم والصحة. يضيف آرم: "هل تشعر بسعادة أكبر؟ هل تستمتع بحياتك أكثر؟ هذا هو جوهر الأمر". رغم التحديات، يبقى نظام العمل هذا علامة على تقدم هولندا في تحقيق التوازن بين الحياة المهنية والشخصية.