منذ أن حبا الله المملكة العربية السعودية بنعمة النفط، وهي تراه أداة استقرار وخدمة لشعوب الأرض الموردين منهم والمصدرين، لذا عملت على تأسيس منظمة أوبك عام 1960، التي ضمت حينها إيران والعراق والكويت وفنزويلا، وظلت الدول تنضم إليها تباعًا أسوة بالمنظمات العالمية.
شماعة السياسيين الغربيين
كثيرًا ما كانت المملكة والمنظمة شماعة لكل سياسي غربي تزيد تكلفة المعيشة في بلده، بشكل رئيسي بسبب الضرائب ومشاكل اقتصادية أخرى، فيبرر لشعبه بلوم السعودية وأوبك. ولكن ظلت الحكمة السعودية عبر المراحل برسالة ثابتة، ليس الغرض منها رفع الأسعار، بل تحقيق سوق مستقر ومتوازن لا إغراق فيه ولا شح للإمدادات.
تأسيس أوبك+
قبل عقد من الزمن، بدأت السعودية خطوات حثيثة لخلق إطار أوسع سمي (أوبك+)، تدرج من اتفاق الجزائر في سبتمبر 2016، وصولاً إلى إعلان التعاون في ديسمبر 2016 الذي ضم روسيا وعشرة منتجين من خارج أوبك، والذي أتى بعد حرب الحصص العنيفة ضد النفط الصخري قبلها بعامين. وهذا نمط موجود من الحكمة السعودية للسعي لتعزيز التعاون وتعظيم منافع الجميع، على قاعدة الجميع خاسر من النزاعات، وإن كنت لا تستطيع دائمًا إقناع الجميع أن البقاء في السفينة أكثر دفئًا من القفز في النهر، لذا نجد من يقفز أحيانًا من أوبك عند الأزمات مخالفًا نصيحة النبي نوح.
أوبك+ مثلت تحولاً كبيرًا لموقف المملكة إلى إدارة السوق بالتعاون مع موسكو بشكل رئيسي. وحين حصل بعض التباين في وجهات النظر في بداية 2020، الذي رفضت من خلاله موسكو الخفض الضروري بسبب انخفاض الطلب الناتج عن الجائحة، قامت الرياض بإغراق السوق مما أنضج تنسيقًا سياسيًا بين العاصمتين وواشنطن لعودة استقرار السوق. وحينها قدمت الرياض نموذجًا على أن الخفض أو الزيادة ليسا هدفًا بذاتهما، بل هما أداة لترجيح كفتي الميزان.
أزمة مضيق هرمز
تدرك الرياض أنها لا تسكن بجوار الدول الإسكندنافية، لذلك بنت المملكة منذ أربعة عقود خط شرق غرب؛ لأنها تعرف ببساطة أن الجغرافيا لا تتغير، وهي تصنع بذاتها حالة عدم يقين مستمر في حالة حصر خياراتها عبر مضيق هرمز. فأزمة مضيق هرمز الحالية ليست الأولى رغم أنها الأكثر ضررًا. وقد كانت أولى الأزمات في حرب الناقلات بين العراق وإيران خلال الثمانينات، ثم رد أمريكا بعملية فرس النبي في 1988، وذلك بعد اصطدام الفرقاطة الأمريكية صامويل روبيرت بلغم بحري مما أدى لإحداث ثقب كبير في السفينة وإصابة عشرة بحارين. ومنذ الثمانينات حتى اليوم صدرت أكثر من خمسة تهديدات بالغلق مرتبطة بالمفاوضات أو التهديدات الأمريكية الإيرانية.
اليوم وفي ظل تزايد حالة عدم اليقين عن المفاوضات الإيرانية والأمريكية بما يشمل المضيق وما يتجاوزه، انضم للصحافة الكثير من المنجمين الذين يعرفون عن المستقبل أكثر مما يعرف مجتبى خامنئي ودونالد ترمب معًا. لتأتي الحكمة السعودية ممثلة في حديث وزير الطاقة الأمير عبدالعزيز بن سلمان خلال مشاركته في منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي (SPIEF 2026)، تحدث خلالها على أن العالم بحاجة لكل جزء من الطاقة، وعن تحول المملكة إلى منتج شامل للطاقة.
استثمارات الطاقة البديلة
هذا الأمر دقيق إذا ما نظرنا إلى استثمارات المملكة في الطاقة البديلة التي نراها في مشاريع الرياح والطاقة الشمسية وغيرهما، بالإضافة إلى الهيدروجين بنوعيه. وتحدث وزير الطاقة عن زيادة الطلب المتوقع عالميًا حتى 2050، وعن استمرار المملكة في لعبها دورًا بارزًا كمورد موثوق وصلب للطاقة رغم الأزمة القائمة. لكن أبرز ما قاله الوزير هو الحديث عن أهمية الهدوء في وقت الأزمات، وقوة الصمت في حالة عدم اليقين، وهو درس في أن التواضع في الإقرار بالجهل عن ما سينتج في الصراع الحالي أهم من فقدان المصداقية.
فالمملكة قدمت نموذجًا فريدًا من الحكمة خلال الأزمة الجارية كانت به الصديق عند المضيق.



